مدارج السالكين

سواه عن القدرة على إيجاد ذرَّةٍ أو جزءٍ من ذرَّةٍ، وأنَّه لا وجود له من نفسه، فوجوده ليس له ولا به ولا منه، وتوالى هذا العلم على القلب= سقط ذكرُ غيره سبحانه عن البال والذِّكرِ، كما سقط غناه وربوبيَّته وملكه وقدرته، فصار الربُّ وحدَه هو المعبودَ والمشهودَ المذكور، كما كان وحده هو الخالقَ المالكَ الغنيَّ الموجودَ بنفسه أزلًا وأبدًا، وما١ سواه فوجوده وتوابع وجوده عاريةٌ ليست له.

وكلَّما فني العبد عن ذكر غيره وشهوده صفت هذه المعرفة في قلبه، فلهذا قال: (وتصفو في ميدان الفناء)، واستعار الشيخ للفناء ميدانًا وأضافه إليه لاتِّساع مجاله، لأنَّ صاحبه قد انقطع التفاتُه إلى ضيق الأغيار، وانجذبت روحُه وقلبه إلى الواحد القهَّار، فهي تجول في ميدانٍ أوسع من الأرض والسماوات٢، بعد أن كانت مسجونةً في سجون المخلوقات.

فإذا استمرَّ له عكوف قلبه على الحقِّ سبحانه، ونظرُ قلبِه إليه كأنَّه يراه، ورؤيةُ تفرُّدِه بالخلق والأمر، والنفع والضرِّ، والعطاء والمنع= كملت في هذه الدرجة معرفتُه، واستكملت بهذا البقاءِ الذي أوصله إليه الفناء، وشارفت عينَ الجمع بعد علمه، فغاب العارف عن معرفته بمعروفه، وعن ذكره بمذكوره، وعن محبَّته وإرادته بمراده ومحبوبه، فلذلك قال٣: (وتستكمل بعلم البقاء، وتشارف عين الجمع).

  1. (١) ر: «وأما».
  2. (٢) ر: «من السماوات والأرض».
  3. (٣) ر: «فذلك قوله».
321

ولهذه المعرفة١ ثلاثة أركانٍ، أشار إليها الشَّيخ بقوله٢: (إرسال الصِّفات على الشواهد، وإرسال الوسائط على المدارج، وإرسال العبارات على المعالم).

شواهد الصِّفات هي التي تشهد بها وتدلُّ عليها من الكتاب والسُّنَّة، وشهادةِ العقل، والفطرة، وآثار الصَّنعة. فإذا تمكَّن العبد في التوحيد علم أنَّ الحقَّ سبحانه هو الذي عرَّفه٣ صفاتِ نفسه بنفسه، لم يعرفها العبد من ذاته، ولا بغير تعريف الحقِّ له، بل بما أجراه ــ سبحانه ــ على قلبه من معرفة تلك الشواهد، والانتقالِ منها إلى المشهود والمدلول٤ عليه، فهو سبحانه هو٥ الذي شهد لنفسه في الحقيقة، إذ تلك الشواهد مصدرها منه، فشهد بنفسه لنفسه بما قاله وفعَلَه وجعَلَه شاهدًا لمعرفته، فهو الأوَّل والآخر، والعبد آلة محضة، ومنفعل، ومحلٌّ لجريان الشواهد وآثارها وأحكامها عليه، ليس له من الأمر شيءٌ. فهذا معنى (إرسال الصِّفات على الشواهد)، فإذا أرسلتها عليها تبيَّن لك٦ أنَّ الحكم للصِّفات دون الشواهد، بل الشواهد٧ هي آثار الصِّفات؛ فهذا وجه.

  1. (١) ش، د، ت: «الفرقة»، تصحيف.
  2. (٢) «المنازل» (ص ١٠٣).
  3. (٣) ر: «علَّمه».
  4. (٤) واو العطف ساقطة من ت، ر.
  5. (٥) «هو» ساقطة من ت، ر.
  6. (٦) ر: «أرسلها عليها تبيَّن له».
  7. (٧) «بل الشواهد» سقط من ش، د. فأَلحق الناسخ مكانه في هامش ش: «التي» مستظهرًا صحتها. وكذلك كُتبت في د بخط مغاير فوق السطر.
322

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي