ولهذه المعرفة١ ثلاثة أركانٍ، أشار إليها الشَّيخ بقوله٢: (إرسال الصِّفات على الشواهد، وإرسال الوسائط على المدارج، وإرسال العبارات على المعالم).
شواهد الصِّفات هي التي تشهد بها وتدلُّ عليها من الكتاب والسُّنَّة، وشهادةِ العقل، والفطرة، وآثار الصَّنعة. فإذا تمكَّن العبد في التوحيد علم أنَّ الحقَّ سبحانه هو الذي عرَّفه٣ صفاتِ نفسه بنفسه، لم يعرفها العبد من ذاته، ولا بغير تعريف الحقِّ له، بل بما أجراه ــ سبحانه ــ على قلبه من معرفة تلك الشواهد، والانتقالِ منها إلى المشهود والمدلول٤ عليه، فهو سبحانه هو٥ الذي شهد لنفسه في الحقيقة، إذ تلك الشواهد مصدرها منه، فشهد بنفسه لنفسه بما قاله وفعَلَه وجعَلَه شاهدًا لمعرفته، فهو الأوَّل والآخر، والعبد آلة محضة، ومنفعل، ومحلٌّ لجريان الشواهد وآثارها وأحكامها عليه، ليس له من الأمر شيءٌ. فهذا معنى (إرسال الصِّفات على الشواهد)، فإذا أرسلتها عليها تبيَّن لك٦ أنَّ الحكم للصِّفات دون الشواهد، بل الشواهد٧ هي آثار الصِّفات؛ فهذا وجه.
(١) ش، د، ت: «الفرقة»، تصحيف.
(٢) «المنازل» (ص ١٠٣).
(٣) ر: «علَّمه».
(٤) واو العطف ساقطة من ت، ر.
(٥) «هو» ساقطة من ت، ر.
(٦) ر: «أرسلها عليها تبيَّن له».
(٧) «بل الشواهد» سقط من ش، د. فأَلحق الناسخ مكانه في هامش ش: «التي» مستظهرًا صحتها. وكذلك كُتبت في د بخط مغاير فوق السطر.
ووجهٌ ثانٍ أيضًا، وهو: أنَّ الشواهد بوارقُ وتجلِّياتٌ تبدو للشاهد، فإذا أرسل الصِّفات على تلك الشواهد توارى حكم تلك البوارق والتجلِّيات في الصِّفات، وكان الحكم للصِّفات، فحينئذٍ يترقَّى العبد إلى شهود الذات شهودًا علميًا عرفانيًّا كما تقدَّم.
وقوله: (وإرسال الوسائط على المدارج)، الوسائط هي الأسباب المتوسِّطة بين الربِّ والعبد التي بها تظهر المعرفة وتوابعها، والمدارج هي المنازل والمقامات التي يترقَّى العبد فيها إلى المقصود، وقد تكون المدارج الطُّرق التي يسلكها إليه ويدرج فيها. فإرسال الوسائط التي من الربِّ على المدارج التي هي منازل السفر١ وطرقُه يوجب كونَ الحكم لها دون المدارج، فيغيب عن شهود المدارج بالوسائط؛ وقد٢ غاب عن شهود الوسائط بالصِّفات، فترقَّى حينئذٍ إلى شهود الذات.
وحقيقة الأمر: أن يعلم أنَّ الربَّ سبحانه ما أطلعه على معرفته إلَّا بشواهد منه ــ سبحانه ــ وبوسائط ليست من٣ العبد، فهو قادرٌ على قبض تلك الشواهد والوسائط، وعلى إجرائها على غيره، فإنَّ الأمر كلَّه له، وتلك الوسائط لا توجب بنفسها شيئًا، قال تعالى لرسوله ﷺ: ﴿قَلِيلًا ٨٥ وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾[الإسراء: ٨٦ - ٨٧]، وقال للأمَّة على لسانه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ