ووجهٌ ثانٍ أيضًا، وهو: أنَّ الشواهد بوارقُ وتجلِّياتٌ تبدو للشاهد، فإذا أرسل الصِّفات على تلك الشواهد توارى حكم تلك البوارق والتجلِّيات في الصِّفات، وكان الحكم للصِّفات، فحينئذٍ يترقَّى العبد إلى شهود الذات شهودًا علميًا عرفانيًّا كما تقدَّم.
وقوله: (وإرسال الوسائط على المدارج)، الوسائط هي الأسباب المتوسِّطة بين الربِّ والعبد التي بها تظهر المعرفة وتوابعها، والمدارج هي المنازل والمقامات التي يترقَّى العبد فيها إلى المقصود، وقد تكون المدارج الطُّرق التي يسلكها إليه ويدرج فيها. فإرسال الوسائط التي من الربِّ على المدارج التي هي منازل السفر١ وطرقُه يوجب كونَ الحكم لها دون المدارج، فيغيب عن شهود المدارج بالوسائط؛ وقد٢ غاب عن شهود الوسائط بالصِّفات، فترقَّى حينئذٍ إلى شهود الذات.
وحقيقة الأمر: أن يعلم أنَّ الربَّ سبحانه ما أطلعه على معرفته إلَّا بشواهد منه ــ سبحانه ــ وبوسائط ليست من٣ العبد، فهو قادرٌ على قبض تلك الشواهد والوسائط، وعلى إجرائها على غيره، فإنَّ الأمر كلَّه له، وتلك الوسائط لا توجب بنفسها شيئًا، قال تعالى لرسوله ﷺ: ﴿قَلِيلًا ٨٥ وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾[الإسراء: ٨٦ - ٨٧]، وقال للأمَّة على لسانه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ
ويعلمَ١ العبدُ أنَّ ما أخبر به الربُّ على لسان رسوله ﷺ من شواهدِ معرفته والإيمان به هي معالمُ يَهتدي بها عبادُه٢ إليه، ويعرفون بها كماله وجلالَه وعظمتَه؛ فإذا تيقَّنوا صدقه ولم يشكُّوا فيه، وتفطَّنوا لآثار أسمائه وصفاته في أنفسهم وفي سواهم= انضمَّ شاهد العقل والفطرة إلى شاهد الوحي والشرع، فانتقلوا حينئذٍ من الخبر إلى العِيان، فالعبارات معالمُ على الحقائق المطلوبة، والمعالمُ هي الأمارات التي يُعلَم بها المطلوب؛ فإذا أرسل٣ العارفُ كلَّ معنًى ممَّا تقدَّم ذكرُه على مقصوده، وصرف همَّتَه إلى مُجرِيه وناصبه ومصدره= اجتمع همُّه عليه، وتمكَّن في معرفة الذات التي لها صفات الكمال ونعوت الجلال.
ومقصوده: أن يبيِّن في هذه الأركان الثلاثة حالَ صاحب معرفة الذات، وكيف تَرتَّبُ٤ الأشياءُ في نظره، ويترقَّى فيها إلى المقصود. مثال ذلك: أنَّ الشواهد أوصلته٥ إلى الصِّفات بإرسالها عليها، فانتقل من مشاهدتها إلى مشاهدة الصِّفات. والوسائطُ التي كان يراها آيةً على المدارج انتقل منها إلى