ويعلمَ١ العبدُ أنَّ ما أخبر به الربُّ على لسان رسوله ﷺ من شواهدِ معرفته والإيمان به هي معالمُ يَهتدي بها عبادُه٢ إليه، ويعرفون بها كماله وجلالَه وعظمتَه؛ فإذا تيقَّنوا صدقه ولم يشكُّوا فيه، وتفطَّنوا لآثار أسمائه وصفاته في أنفسهم وفي سواهم= انضمَّ شاهد العقل والفطرة إلى شاهد الوحي والشرع، فانتقلوا حينئذٍ من الخبر إلى العِيان، فالعبارات معالمُ على الحقائق المطلوبة، والمعالمُ هي الأمارات التي يُعلَم بها المطلوب؛ فإذا أرسل٣ العارفُ كلَّ معنًى ممَّا تقدَّم ذكرُه على مقصوده، وصرف همَّتَه إلى مُجرِيه وناصبه ومصدره= اجتمع همُّه عليه، وتمكَّن في معرفة الذات التي لها صفات الكمال ونعوت الجلال.
ومقصوده: أن يبيِّن في هذه الأركان الثلاثة حالَ صاحب معرفة الذات، وكيف تَرتَّبُ٤ الأشياءُ في نظره، ويترقَّى فيها إلى المقصود. مثال ذلك: أنَّ الشواهد أوصلته٥ إلى الصِّفات بإرسالها عليها، فانتقل من مشاهدتها إلى مشاهدة الصِّفات. والوسائطُ التي كان يراها آيةً على المدارج انتقل منها إلى
(١) معطوف على «وحقيقة الأمر: أن يعلمَ ...».
(٢) ت: «يهدي بها عبادَه».
(٣) ر: «أوصل».
(٤) ت، ر: «تترتَّب».
(٥) ر: «أرسلته»، خطأ.
المدارج ولم يُلغِها١، وإنّما تعلَّق بما هي آيةٌ له. والعبارات التي كانت عنده ألفاظًا خارجةً عن المعبَّر عنه صارت أماراتٍ موصلةً٢ إلى الحقيقة المعبَّر عنها. فبهذه الأركان الثلاثة يصير من أهل معرفة الذات عنده.
قوله٣: (وهذه معرفة الخاصَّة التي تؤنَس من أفق الحقيقة) أي تُدرَك وتحسُّ من ناحية الحقيقة. والإيناس: الإدراك والإحساس، قال تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾[النساء: ٦]، وقال موسى: ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾[طه: ١٠]٤. والمقصود: أنَّ العارف إذا علَّق هِمَّته٥ بأفق الحقيقة، وأعرض عن الأسباب والوسائط، لا إعراضَ جحودٍ وإنكار، بل إعراضَ اشتغالٍ ونظرٍ إلى عين المقصود= أوصله ذلك إلى معرفة الذات الجامعة لصفات الكمال.
فصل
قال٦: (الدرجة الثالثة: معرفةٌ مستغرقةٌ في محض التعريف، لا يوصل إليها الاستدلال، ولا يدلُّ عليها شاهد، ولا تستحقُّها وسيلة. وهي على٧
(١) ت، ر: «يلقها»، تصحيف. واستظهر ناسخ ش أن يكون صوابه: «يبلغها»، وليس بشيء.