مدارج السالكين

ثلاثة أركانٍ: مشاهدة القرب، والصُّعود عن العلم، ومطالعة الجمع، وهي معرفة خاصَّة الخاصَّة).

إنَّما كانت هذه المعرفة عنده أرفع ممَّا قبلها، لأنَّ ما قبلها معرفةٌ متعلِّقةٌ بالوسائط والشواهد الموصلةِ١ إلى المطلوب، وهذه متعلِّقةٌ بعين المقصود فقط، طاويةٌ للوسائط والشواهد، والوسائط٢ صاعدةٌ عنها إليه، وهي غالبةٌ على حال العارف وشهوده، قد استغرقت إدراكه لما هو فيه بحيث غاب عن معرفته بمعروفه، وعن ذكره بمذكوره، وعن وجوده بموجوده.

فقوله: (مستغرقةٌ في محض التعريف)، المعرفة صفة العبد وفعله، والتعريف فعل الربِّ وتوفيقه، فاستغرقت صفة العبد في فعل الربِّ وتعريفه نفسَه لعبده.

وقوله: (لا يوصل إليها بالاستدلال)، يريد أنَّ هذه المعرفة في الدرجة الثالثة لا يوصل إليها بسبب، فإنَّ الأسباب قد انطوت فيها، والوسائلَ قد انقطعت دونها، فلا يدلُّ عليها شاهدٌ غيرها، بل هي شاهدُ نفسِها٣، فشاهدها وجودها، ودليلها نفسها. ولا تعجَلْ بإنكار هذا، فالأمور الوجدانيَّة كذلك، دليلُها٤ نفسُها، وشاهدها حقيقتها؛ فتصير هذه المعرفة للعارف كالأمور الوجدانيَّة٥ كاللَّذَّة والفرح والحبِّ والخوف وغيرِها من الأمور

  1. (١) ر: «متصلة»، خطأ.
  2. (٢) ت، ر: «فالوسائط».
  3. (٣) ت: «بعينها»، تصحيف.
  4. (٤) ر: «ودليلها».
  5. (٥) «كذلك ... كالأمور الوجدانية» ساقط من ش، د.
326

التي لا يَطلب مَن قامت به شاهدًا عليها من سوى أنفسها.

ولعمر اللهِ إنَّ هذه درجةٌ من المعرفة مُنيفة، ورتبةٌ شريفة، تنقطع دونها أعناق مطايا السَّائرين، فلذلك لا يوصل إليها بالاستدلال، ولا يدلُّ عليها شاهدٌ، ولا تستحقُّها وسيلة، والأعمالُ والأحوال والمقامات كلُّها وسائل، وهي لا تستحقُّ هذه الدرجة من المعرفة، وإنَّما هي فضلُ مَن الفضلُ كلُّه بيده، وهو ذو الفضل العظيم. وكون الوسائل المذكورة لا تستحقُّها لا يمنع من القيام بها على أتمِّ الوجوه، وبذلِ الجهد فيها، ومع ذلك فلا تستحقُّها الوسائل.

قوله: (وهي على ثلاثة أركانٍ: مشاهدة القرب، والصُّعود عن العلم، ومطالعة الجمع)، إنَّما كانت هذه الثلاثة أركانًا لها لأنَّ صاحب هذه المعرفة قد وصل من القرب إلى مقامٍ يليق به بحسب معرفته، فكلَّما كانت معرفته أتمَّ كان قربه أتمَّ، فإنَّ شهود الوسائط والوسائل حجابٌ على١ عين القرب، وإلغاؤها وجحودها حجابٌ على أصل الإيمان.

وأمَّا (صعوده عن العلم)، فليس المراد به صعوده عن أحكامه، فإنَّ ذلك سقوطٌ ونزولٌ إلى الحضيض الأدنى، لا صعودٌ إلى المطلب الأعلى، وإنَّما المراد: أنَّه يصعد بأحكام العلم عن الوقوف معه وتوسيطِه بينه وبين المطلوب، فإنَّ الوسائط قد طُوي بساطها في هذا الشُّهود والعرفان، أعني: بساطَ الوقوف معها والنظر إليها، فيدرك مشهوده ومعروفه به سبحانه، لا بالعلم والخبر، بل بالمشاهدة والعيان، وإن كان لم يصل إلى ذلك إلَّا بالعلم

  1. (١) ر: «عن»، وكذا في الموضع الآتي.
327

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي