والخبر، لكنَّه قد صعد من العلم والخبر إلى المعلوم المخبر عنه.
وأمَّا (مطالعة الجمع)، فهي١ الغاية عند هذه الطائفة، ونحن لا ننكر ذلك، لكن أيُّ جمعٍ هو٢؟ هل هو جمع الوجود، كما يقوله الاتِّحاديُّ؟ أم جمع الشُّهود، كما يقوله صاحب الفناء في توحيد الرُّبوبيَّة؟ أم جمع الإرادة كلِّها في مراد الربِّ تعالى الدينيِّ الأمريِّ؟ فالشأن في هذا الجمع الذي مطالعتُه من أعلى أنواع المعرفة.
نعم، هاهنا جمعٌ آخر، مطالعته هي كلُّ المعرفة، وهو جمع الأفعال في الصِّفات، وجمع الصِّفات في الذات، وجمع الأسماء في الذات والصِّفات والأفعال، فمطالعة هذا الجمع هي غاية المعرفة وأعلى أنواعها، وهي لعمر اللهِ معرفةُ خاصَّة الخاصَّة. والله المستعان، وبه التوفيق، ولا حول ولا قوَّة إلَّا به.
✽ ✽ ✽
(١) ش، د: «وهي».
(٢) «هو» ساقط من ش، د.
فصل
قال صاحب «المنازل»١: (باب الفناء. قال الله تعالى ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ٢٦ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ﴾[الرحمن: ٢٦ - ٢٧]).
الفناء المذكور في الآية ليس هو الفناءَ الذي تشير إليه الطائفة، فإنَّ الفناء في الآية: الهلاك والعدم، أخبر سبحانه أنَّ كلَّ من على الأرض يعدم ويموت، ويبقى وجهه سبحانه. وهذا مثل قوله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾[الزمر: ٣٠]، ومثلِ قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾[آل عمران: ١٨٥]، قال الكلبيُّ ومقاتل: لمَّا نزلت هذه الآية قالت الملائكة: هلك أهل الأرض، فلمَّا قال: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾[القصص: ٨٨] أيقنت الملائكة بالهلاك.
قال الشعبيُّ: إذا قرأت ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا﴾[الرحمن: ٢٦] فلا تسكت حتى تقرأ ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ﴾[الرحمن: ٢٧]٢. وهذا من فقهه في القرآن وكمال علمه، إذ المقصود الإخبار بفناء مَن عليها مع بقاء وجهه سبحانه، فإنَّ الآية سيقت لتمدُّحه بالبقاء وحده، ومجرَّدُ فناء الخليقة ليس فيه مدحٌ٣، إنَّما المدح في بقائه بعد فناء خلقه، فهي نظير قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾[القصص: ٨٨].
(١) (ص ١٠٤).
(٢) الأقوال السابقة منقولة من «البسيط» للواحدي (٢١/ ١٥٨). ومقاتل هو ابن سليمان، لا ابن حيَّان كما توهَّمه بعضهم، وقوله في «تفسيره» (٣/ ٣٠٥) بنحوه. وقول الشعبي أخرجه ابن أبي حاتم في «تفسيره» كما في «الدر المنثور» (١٤/ ١١٨).