مدارج السالكين

وأمَّا الفناء الذي يترجم عليه الطائفة، فأَمرٌ غير هذا، ولكن وجهُ الإشارة بالآية: أنَّ الفناء المشار إليه هو ذهاب القلب وخروجُه من هذا العالم، وتعلُّقه بالعليِّ الكبير الذي له البقاء فلا يدركه الفناء، ومَن فني في محبَّته وطاعته وإرادة وجهه أوصله هذا الفناءُ إلى منزل البقاء، فالآية تشير إلى أنَّ العبد حقيقٌ أن لا يتعلَّق بمن هو فانٍ ويذَرَ من له البقاء، وهو ذو الجلال والإكرام؛ فكأنَّه يقول١: إذا تعلَّقتَ بمن هو فانٍ انقطع ذلك التعلُّق عند فنائه أحوج ما تكون إليه، وإذا تعلَّقتَ بمن هو باقٍ لا يفنى لم ينقطع تعلُّقك ودامَ بدوامه.

والفناء الذي يترجم عليه هو غاية التعلُّق ونهايته، فإنّه انقطاعٌ عمَّا سوى الربِّ تعالى من كلِّ وجهٍ، ولذلك قال٢: (الفناء في هذا الباب: اضمحلال ما دون الحقِّ علمًا، ثمَّ جحدًا، ثمَّ حقًّا).

قلت: الفناء ضدُّ البقاء، والباقي إمَّا باقٍ بنفسه من غير حاجةٍ إلى من يبقيه، بل بقاؤه من لوازم نفسه، وهو الله تعالى وحده، وما سواه فبقاؤه بإبقاء الربِّ تعالى له، وليس له من نفسه بقاء، كما أنَّه ليس له من نفسه وجود، فإيجاده وإبقاؤه من ربِّه وخالقه، وإلَّا فهو ليس له من نفسه إلَّا العدمُ قبل إيجاده، والفناءُ بعد إيجاده. وليس المعنى: أنَّ نفسه وذاته اقتضت عدمه وفناءه، وإنَّما المعنى٣ أنَّك إذا نظرت إلى ذاته بقطع النظر عن إيجاد موجده له كان معدومًا، وإذا نظرت إليه بعد وجوده مع قطع النظر عن إبقاء

  1. (١) ت، ر: «فكأنها تقول».
  2. (٢) «المنازل» (ص ١٠٤).
  3. (٣) ر: «وإنما الفناء».
330

موجده له استحال بقاؤه، فإنَّه إنَّما يبقى بإبقائه، كما أنَّه إنَّما يوجد بإيجاده؛ فهذا معنى قولنا: إنَّه بنفسه معدومٌ وفانٍ، فافهمه.

وقد اختلف الناس: هل إفناء الموجود وإعدامه بخلقِ عرضٍ فيه يسمَّى الفناءَ والإعدام، أم بإمساكِ خَلْق البقاء له، إذ هو في كلِّ وقتٍ محتاج إلى أن يُخلَق له بقاءٌ يُبقيه؟ وهي مسألة الإعدام المشهورة.

والتحقيق فيها: أنَّ ذاته لا تقتضي الوجود، وهو معدومٌ بنفسه، فإذا قدَّر الربُّ تعالى لوجوده أجلًا ووقتًا انتهى وجوده عند حضور أجله، فرجع إلى أصله وهو العدم.

نعم، قد يقدِّر له وقتًا ثمَّ يمحو ذلك ــ سبحانه ــ ويريد إعدامَه قبل وقته، كما يمحو ما يشاء ويريد استمرارَ وجودِه بعد الوقت المقدَّر إلى أمدٍ آخَرَ، فإنَّه يمحو ما يشاء ويثبت، قال تعالى حاكيًا عن نبيِّه نوح: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ ٢ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ ٣ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [نوح: ٢ - ٤]، فإذا أراد سبحانه إبقاء الشيء أبقاه إلى حين يشاء، وإذا أراد إفناءه أعدمه بمشيئته، كما يوجده بمشيئته.

فإن قيل: متعلَّق المشيئة لابدَّ أن يكون أمرًا وجوديًّا، فكيف يكون العدم متعلَّق المشيئة؟

قيل: متعلَّق المشيئة أمران: إيجاد وإعدام، وكلاهما ممكن، فقول القائل لابدَّ أن يكون متعلَّق المشيئة أمرًا وجوديًّا دعوى باطلة. نعم، العدم المحض لا تتعلَّق به المشيئة، وأمَّا الإعدام فهو أخصُّ من العدم. ولولا أنَّا في أمرٍ غير هذا١

  1. (١) ر: «في أمر أخصَّ من هذا».
331

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي