مدارج السالكين

موجده له استحال بقاؤه، فإنَّه إنَّما يبقى بإبقائه، كما أنَّه إنَّما يوجد بإيجاده؛ فهذا معنى قولنا: إنَّه بنفسه معدومٌ وفانٍ، فافهمه.

وقد اختلف الناس: هل إفناء الموجود وإعدامه بخلقِ عرضٍ فيه يسمَّى الفناءَ والإعدام، أم بإمساكِ خَلْق البقاء له، إذ هو في كلِّ وقتٍ محتاج إلى أن يُخلَق له بقاءٌ يُبقيه؟ وهي مسألة الإعدام المشهورة.

والتحقيق فيها: أنَّ ذاته لا تقتضي الوجود، وهو معدومٌ بنفسه، فإذا قدَّر الربُّ تعالى لوجوده أجلًا ووقتًا انتهى وجوده عند حضور أجله، فرجع إلى أصله وهو العدم.

نعم، قد يقدِّر له وقتًا ثمَّ يمحو ذلك ــ سبحانه ــ ويريد إعدامَه قبل وقته، كما يمحو ما يشاء ويريد استمرارَ وجودِه بعد الوقت المقدَّر إلى أمدٍ آخَرَ، فإنَّه يمحو ما يشاء ويثبت، قال تعالى حاكيًا عن نبيِّه نوح: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ ٢ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ ٣ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [نوح: ٢ - ٤]، فإذا أراد سبحانه إبقاء الشيء أبقاه إلى حين يشاء، وإذا أراد إفناءه أعدمه بمشيئته، كما يوجده بمشيئته.

فإن قيل: متعلَّق المشيئة لابدَّ أن يكون أمرًا وجوديًّا، فكيف يكون العدم متعلَّق المشيئة؟

قيل: متعلَّق المشيئة أمران: إيجاد وإعدام، وكلاهما ممكن، فقول القائل لابدَّ أن يكون متعلَّق المشيئة أمرًا وجوديًّا دعوى باطلة. نعم، العدم المحض لا تتعلَّق به المشيئة، وأمَّا الإعدام فهو أخصُّ من العدم. ولولا أنَّا في أمرٍ غير هذا١

  1. (١) ر: «في أمر أخصَّ من هذا».
331

لبسطنا الكلام في هذه المسألة، وذكرنا أوهام الناس وأغلاطَهم فيها.

قوله: (الفناء اسمٌ لاضمحلال ما دون الحقِّ علمًا)، يعني: يضمحلُّ عن القلب والشُّهود علمًا وإن لم يفرض ذاتَه١ فانيةً في الحال مضمحلَّةً، فتغيب صور الموجودات في شهود العبد، بحيث كأنَّها دخلت في العدم كما كانت قبل أن توجد، ويبقى الحقُّ تعالى ذو الجلال والإكرام وحدَه في قلب الشاهد كما كان وحده قبل إيجاد العوالم.

وقوله: (علمًا، ثمَّ جحدًا، ثمَّ حقًّا)، هذه الثلاثة هي مراتب الاضمحلال إذا ورد على العبد على الترتيب، فإذا جاء وهلةً واحدةً لم يشهد شيئًا من ذلك، وإن كان قد يعرف ذلك إذا عاد إلى علمه وشهوده، فإنَّ الربَّ سبحانه إذا رقَّى عبده بالتدريج نوَّر باطنه وعقله بالعلم، فرأى أنَّه لا خالق سواه، ولا ربَّ غيرُه، ولا يملك الضرَّ والنفع والعطاء والمنع غيرُه، وأنَّه لا يستحقُّ أن يُعبَد بنهاية الخضوع والحبِّ سواه، وكلُّ معبودٍ سوى وجهه الكريم فباطل، فهذا توحيد العِلم.

ثمَّ إذا رقَّاه الحقُّ سبحانه درجةً أخرى فوق هذه أشهَدَه٢ عَودَ المفعولات إلى أفعاله سبحانه، وعودَ أفعاله إلى أسمائه وصفاته، وقيامَ صفاته بذاته؛ فيضمحلُّ شهود غيرِه من قلبه، وجحَدَ أن يكون لسواه من نفسه شيءٌ البتَّة، ولم يجحَدْ وجودَ السوى كما يجحده الملاحدة، فإنَّ هذا

  1. (١) ر: «تكن ذاتُه». ومكانه بياض في ت، وكتب في الهامش: «بياض في الأم».
  2. (٢) ش، د: «أرشده»، تصحيف.
332

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي