مدارج السالكين

لبسطنا الكلام في هذه المسألة، وذكرنا أوهام الناس وأغلاطَهم فيها.

قوله: (الفناء اسمٌ لاضمحلال ما دون الحقِّ علمًا)، يعني: يضمحلُّ عن القلب والشُّهود علمًا وإن لم يفرض ذاتَه١ فانيةً في الحال مضمحلَّةً، فتغيب صور الموجودات في شهود العبد، بحيث كأنَّها دخلت في العدم كما كانت قبل أن توجد، ويبقى الحقُّ تعالى ذو الجلال والإكرام وحدَه في قلب الشاهد كما كان وحده قبل إيجاد العوالم.

وقوله: (علمًا، ثمَّ جحدًا، ثمَّ حقًّا)، هذه الثلاثة هي مراتب الاضمحلال إذا ورد على العبد على الترتيب، فإذا جاء وهلةً واحدةً لم يشهد شيئًا من ذلك، وإن كان قد يعرف ذلك إذا عاد إلى علمه وشهوده، فإنَّ الربَّ سبحانه إذا رقَّى عبده بالتدريج نوَّر باطنه وعقله بالعلم، فرأى أنَّه لا خالق سواه، ولا ربَّ غيرُه، ولا يملك الضرَّ والنفع والعطاء والمنع غيرُه، وأنَّه لا يستحقُّ أن يُعبَد بنهاية الخضوع والحبِّ سواه، وكلُّ معبودٍ سوى وجهه الكريم فباطل، فهذا توحيد العِلم.

ثمَّ إذا رقَّاه الحقُّ سبحانه درجةً أخرى فوق هذه أشهَدَه٢ عَودَ المفعولات إلى أفعاله سبحانه، وعودَ أفعاله إلى أسمائه وصفاته، وقيامَ صفاته بذاته؛ فيضمحلُّ شهود غيرِه من قلبه، وجحَدَ أن يكون لسواه من نفسه شيءٌ البتَّة، ولم يجحَدْ وجودَ السوى كما يجحده الملاحدة، فإنَّ هذا

  1. (١) ر: «تكن ذاتُه». ومكانه بياض في ت، وكتب في الهامش: «بياض في الأم».
  2. (٢) ش، د: «أرشده»، تصحيف.
332

الجحود عين الإلحاد١.

ثمَّ إذا رقَّاه درجةً أخرى أشهده قيامَ العوالم كلِّها ــ جواهرِها وأعراضها، ذواتها وصفاتها ــ به وحدَه، أي بإقامته لها وإمساكه لها، فإنَّه سبحانه يمسك السماوات والأرض أن تزولا، ويمسك البحارَ أن تغيض أو تفيض على العالَم، ويمسك السَّماءَ أن تقع على الأرض، ويمسك الطير في الهواء صافَّاتٍ ويقبضن، ويمسك القلوب الموقنة أن تزيغ عن الإيمان، ويمسك حياة الحيوان أن تفارقه إلى الأجل المحدود، ويمسك على الموجودات وجودها، ولولا ذلك لاضمحلَّت وتلاشت، والكلُّ قائمٌ بأفعاله وصفاته التي هي من لوازم ذاته، فليس الوجود الحقيقيُّ إلَّا له، أعني الوجودَ الذي هو مستغنٍ٢ فيه عن سواه، وكلُّ ما سواه فقيرٌ إليه بالذات، لا قيام له بنفسه طرفة عينٍ.

ولمَّا كان للفناءِ مبدأ وتوسُّط وغاية، أشار إلى مراتبه الثلاثة، فالمرتبة الأولى: فناء أهل العلم المتحقِّقين به، والثاني٣: فناء أهل السُّلوك والإرادة، والثالث: فناء أهل المعرفة، المستغرقين في شهود الحقِّ سبحانه.

فأوَّل الأمر أن تفنى قوَّةُ علمه وشعوره بالمخلوقين في جنب علمه ومعرفته بالله وحقوقه. ثمَّ يقوى ذلك حتَّى يعُدَّهم كالأموات وكالعدم. ثمَّ يقوى ذلك حتَّى يغيب عنهم، بحيث يكلَّم ولا يَسمع، ويُمَرُّ به ولا يرى؛

  1. (١) ت: «الاتحاد».
  2. (٢) ش، د: «يستغني».
  3. (٣) كذا في النسخ، وفي المطبوع: «الثانية».
333

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي