مدارج السالكين

الجحود عين الإلحاد١.

ثمَّ إذا رقَّاه درجةً أخرى أشهده قيامَ العوالم كلِّها ــ جواهرِها وأعراضها، ذواتها وصفاتها ــ به وحدَه، أي بإقامته لها وإمساكه لها، فإنَّه سبحانه يمسك السماوات والأرض أن تزولا، ويمسك البحارَ أن تغيض أو تفيض على العالَم، ويمسك السَّماءَ أن تقع على الأرض، ويمسك الطير في الهواء صافَّاتٍ ويقبضن، ويمسك القلوب الموقنة أن تزيغ عن الإيمان، ويمسك حياة الحيوان أن تفارقه إلى الأجل المحدود، ويمسك على الموجودات وجودها، ولولا ذلك لاضمحلَّت وتلاشت، والكلُّ قائمٌ بأفعاله وصفاته التي هي من لوازم ذاته، فليس الوجود الحقيقيُّ إلَّا له، أعني الوجودَ الذي هو مستغنٍ٢ فيه عن سواه، وكلُّ ما سواه فقيرٌ إليه بالذات، لا قيام له بنفسه طرفة عينٍ.

ولمَّا كان للفناءِ مبدأ وتوسُّط وغاية، أشار إلى مراتبه الثلاثة، فالمرتبة الأولى: فناء أهل العلم المتحقِّقين به، والثاني٣: فناء أهل السُّلوك والإرادة، والثالث: فناء أهل المعرفة، المستغرقين في شهود الحقِّ سبحانه.

فأوَّل الأمر أن تفنى قوَّةُ علمه وشعوره بالمخلوقين في جنب علمه ومعرفته بالله وحقوقه. ثمَّ يقوى ذلك حتَّى يعُدَّهم كالأموات وكالعدم. ثمَّ يقوى ذلك حتَّى يغيب عنهم، بحيث يكلَّم ولا يَسمع، ويُمَرُّ به ولا يرى؛

  1. (١) ت: «الاتحاد».
  2. (٢) ش، د: «يستغني».
  3. (٣) كذا في النسخ، وفي المطبوع: «الثانية».
333

وذلك أبلغ من حال السُّكر، ولكن لا تدوم له هذه الحال، ولا يمكن أن يعيش عليها.

فصل

قال١: (وهو على ثلاث درجاتٍ. الدرجة الأولى: فناءُ المعرفة في المعروفِ وهو الفناء علمًا، وفناءُ العِيان في المعايَن وهو الفناء جحدًا، وفناءُ الطلب في الوجود وهو الفناء حقًّا).

هذا تفصيلُ ما أجمله أوَّلًا، وتبيينُ ما أراد بالعلم والجحد والحقِّ.

فـ (فناء المعرفة في المعروف) هو غيبة العارف بمعروفه عن شعوره بمعرفته ومعانيها، فيفنى به سبحانه عن وصفه هو وما قام به، فإنَّ المعرفة فعله ووصفه، فإذا استغرق في شهود المعروف فني عن صفة نفسه وفِعلها. ولمَّا كانت المعرفةُ فوق العلم وأخصَّ منه كان فناءُ المعرفة في المعروف مستلزمًا لفناء العلم في المعرفة، فيفنى أوَّلًا في المعرفة ثمَّ تفنى المعرفةُ في المعروف.

وأمَّا (فناء العِيان في المعاين)، فالعيان فوق المعرفة، فإنَّ المعرفة مرتبةٌ فوق العلم ودون العيان، فإذا انتقل من المعرفة إلى العيان فني عيانُه في مُعايَنه، كما فنيت معرفتُه في معروفه.

وأمَّا (فناء الطلب في الوجود)، فهو أن لا يبقى لصاحب هذا الفناءِ طلبٌ، لأنَّه ظفر بالمطلوب المشاهَد، وصار واجدًا بعد أن كان طالبًا، فكان إدراكه

  1. (١) «المنازل» (ص ١٠٤).
334

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي