وذلك أبلغ من حال السُّكر، ولكن لا تدوم له هذه الحال، ولا يمكن أن يعيش عليها.
فصل
قال١: (وهو على ثلاث درجاتٍ. الدرجة الأولى: فناءُ المعرفة في المعروفِ وهو الفناء علمًا، وفناءُ العِيان في المعايَن وهو الفناء جحدًا، وفناءُ الطلب في الوجود وهو الفناء حقًّا).
هذا تفصيلُ ما أجمله أوَّلًا، وتبيينُ ما أراد بالعلم والجحد والحقِّ.
فـ (فناء المعرفة في المعروف) هو غيبة العارف بمعروفه عن شعوره بمعرفته ومعانيها، فيفنى به سبحانه عن وصفه هو وما قام به، فإنَّ المعرفة فعله ووصفه، فإذا استغرق في شهود المعروف فني عن صفة نفسه وفِعلها. ولمَّا كانت المعرفةُ فوق العلم وأخصَّ منه كان فناءُ المعرفة في المعروف مستلزمًا لفناء العلم في المعرفة، فيفنى أوَّلًا في المعرفة ثمَّ تفنى المعرفةُ في المعروف.
وأمَّا (فناء العِيان في المعاين)، فالعيان فوق المعرفة، فإنَّ المعرفة مرتبةٌ فوق العلم ودون العيان، فإذا انتقل من المعرفة إلى العيان فني عيانُه في مُعايَنه، كما فنيت معرفتُه في معروفه.
وأمَّا (فناء الطلب في الوجود)، فهو أن لا يبقى لصاحب هذا الفناءِ طلبٌ، لأنَّه ظفر بالمطلوب المشاهَد، وصار واجدًا بعد أن كان طالبًا، فكان إدراكه
(١) «المنازل» (ص ١٠٤).
أوَّلًا علمًا، ثمَّ قوي فصار معرفةً، ثمَّ قوي فصار عيانًا١، ثمَّ تمكَّن فصار وجودًا.
ولعلَّك أن تستنكر أو تستبعد هذه الألفاظ ومعانيها٢، فاسمع ضربَ مثلٍ يسهِّل٣ عليك ذلك٤ ويقرِّبه منك: مثل ملكٍ عظيم السُّلطان، شديد السطوة، تامِّ الهيبة، قويِّ البأس، استدعى رجلًا من رعيَّته قد اشتدَّ جرمه وعصيانه له، فحضر بين يديه، وغلب على ظنِّه إتلافُه له، فأحواله في حال حضوره مختلفةٌ بالنِّسبة إلى ما يشاهده، فتارةً يتذكَّر جرمَه وسطوة السُّلطان وقدرتَه عليه فيفكِّر فيما يلقاه، وتارةً تقهره الحال التي هو فيها فلا يذكر ما كان منه ولا ما أُحضر له، لغلبة الخوف على قلبه ويأسه من الخلاص، ولكنَّ عقله وذهنه معه، وتارةً يغيب قلبُه وذهنه بالكلِّيَّة فلا يشعر أين هو، ولا مَن إلى جانبه، ولا بما يراد به، وربَّما جرى على لسانه في هذه الحال ما لا يريده، فهذا فناء الخوف.
ومثالٌ ثانٍ في فناء الحبِّ: محبٌّ استغرقت محبَّتُه شخصًا في غاية الجمال والبهاء، وأكبر أمنيَّته الوصولُ إليه ومحادثتُه ورؤيتُه، فبينا هو على حاله ــ وقد٥ ملأ الحبُّ قلبه، وقد استغرق فكره في محبوبه ــ وإذا به قد
(١) في طبعة الفقي زيادة: «ثمَّ تمكَّن فصار معرفة»، وليست في شيء من النسخ، وقد سبق ذكر المعرفة.
(٢) طمس «ومعانيها» في د، فكتب بعضهم مكانه: «المذكورة».