مدارج السالكين

أوَّلًا علمًا، ثمَّ قوي فصار معرفةً، ثمَّ قوي فصار عيانًا١، ثمَّ تمكَّن فصار وجودًا.

ولعلَّك أن تستنكر أو تستبعد هذه الألفاظ ومعانيها٢، فاسمع ضربَ مثلٍ يسهِّل٣ عليك ذلك٤ ويقرِّبه منك: مثل ملكٍ عظيم السُّلطان، شديد السطوة، تامِّ الهيبة، قويِّ البأس، استدعى رجلًا من رعيَّته قد اشتدَّ جرمه وعصيانه له، فحضر بين يديه، وغلب على ظنِّه إتلافُه له، فأحواله في حال حضوره مختلفةٌ بالنِّسبة إلى ما يشاهده، فتارةً يتذكَّر جرمَه وسطوة السُّلطان وقدرتَه عليه فيفكِّر فيما يلقاه، وتارةً تقهره الحال التي هو فيها فلا يذكر ما كان منه ولا ما أُحضر له، لغلبة الخوف على قلبه ويأسه من الخلاص، ولكنَّ عقله وذهنه معه، وتارةً يغيب قلبُه وذهنه بالكلِّيَّة فلا يشعر أين هو، ولا مَن إلى جانبه، ولا بما يراد به، وربَّما جرى على لسانه في هذه الحال ما لا يريده، فهذا فناء الخوف.

ومثالٌ ثانٍ في فناء الحبِّ: محبٌّ استغرقت محبَّتُه شخصًا في غاية الجمال والبهاء، وأكبر أمنيَّته الوصولُ إليه ومحادثتُه ورؤيتُه، فبينا هو على حاله ــ وقد٥ ملأ الحبُّ قلبه، وقد استغرق فكره في محبوبه ــ وإذا به قد

  1. (١) في طبعة الفقي زيادة: «ثمَّ تمكَّن فصار معرفة»، وليست في شيء من النسخ، وقد سبق ذكر المعرفة.
  2. (٢) طمس «ومعانيها» في د، فكتب بعضهم مكانه: «المذكورة».
  3. (٣) ر: «يهوِّن».
  4. (٤) ساقط من ش، د.
  5. (٥) واو الحال ساقطة من ت، ر.
335

دخل عليه بغتةً على أحسن هيئةٍ، فقابله قريبًا منه، وليس دونه سواه، أفليس١ هذا حقيقًا أن يفنى عن رؤية غيره بمشاهدته، وأن يفنى عن شهوده بمشهوده، بل وعن حبِّه بمحبوبه؟ فيملك عليه المحبوبُ سمعَه وبصره وإرادته وإحساسه، ويغيب به عن ذاته وصفاته؟

وانظر إلى النِّسوة كيف قطَّعن أيديهنَّ لمَّا طلع عليهنَّ يوسف وشاهدن ذلك الجمال، ولم يتقدَّم لهنَّ من عشقه ومحبَّته ما تقدَّم لامرأة العزيز، بل أفناهنَّ٢ شهود جماله عن حالهنَّ حتَّى قطَّعن أيديهنَّ. وأمَّا امرأة العزيز، فإنَّها وإن كانت صاحبة المحبَّة، فإنَّها كانت قد ألفت رؤيتَه ومشاهدتَه، فلمَّا خرج لم يتغيَّر عليها حالُها كما تغيَّر على العواذل، فكان مقامها البقاء ومقامهنَّ الفناء، وحصل لهنَّ الفناء من وجهين:

أحدهما: ذهولهنَّ عن الشُّعور بقطع ما في أيديهنَّ حتَّى تخطَّاه القطع إلى الأيدي.

الثاني: فناؤهنَّ عن الإحساس بألم القطع. وهكذا الفناء بالمخوف والفرح بالمحبوب يُفني صاحبه عن شعوره وعن إحساسه بالكيفيَّات النفسانيَّة.

هذا في مشاهدة مخلوقٍ محدثٍ له أشباهٌ وأمثال، وله من يقاربه ويدانيه في الجمال، وإنَّما فاق بني جنسه في الحسن والجمال ببعض الصِّفات، وامتاز ببعض المعاني المخلوقة المصنوعة. فما الظنُّ بمن له الجمالُ كلُّه، والكمال كلُّه، والإحسانُ والإجمال، ونسبةُ كلِّ جمالٍ في الوجود إلى جماله وجلاله

  1. (١) همزة الاستفهام ساقطة من ش، د.
  2. (٢) ر: «فأفناهن».
336

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي