دخل عليه بغتةً على أحسن هيئةٍ، فقابله قريبًا منه، وليس دونه سواه، أفليس١ هذا حقيقًا أن يفنى عن رؤية غيره بمشاهدته، وأن يفنى عن شهوده بمشهوده، بل وعن حبِّه بمحبوبه؟ فيملك عليه المحبوبُ سمعَه وبصره وإرادته وإحساسه، ويغيب به عن ذاته وصفاته؟
وانظر إلى النِّسوة كيف قطَّعن أيديهنَّ لمَّا طلع عليهنَّ يوسف وشاهدن ذلك الجمال، ولم يتقدَّم لهنَّ من عشقه ومحبَّته ما تقدَّم لامرأة العزيز، بل أفناهنَّ٢ شهود جماله عن حالهنَّ حتَّى قطَّعن أيديهنَّ. وأمَّا امرأة العزيز، فإنَّها وإن كانت صاحبة المحبَّة، فإنَّها كانت قد ألفت رؤيتَه ومشاهدتَه، فلمَّا خرج لم يتغيَّر عليها حالُها كما تغيَّر على العواذل، فكان مقامها البقاء ومقامهنَّ الفناء، وحصل لهنَّ الفناء من وجهين:
أحدهما: ذهولهنَّ عن الشُّعور بقطع ما في أيديهنَّ حتَّى تخطَّاه القطع إلى الأيدي.
الثاني: فناؤهنَّ عن الإحساس بألم القطع. وهكذا الفناء بالمخوف والفرح بالمحبوب يُفني صاحبه عن شعوره وعن إحساسه بالكيفيَّات النفسانيَّة.
هذا في مشاهدة مخلوقٍ محدثٍ له أشباهٌ وأمثال، وله من يقاربه ويدانيه في الجمال، وإنَّما فاق بني جنسه في الحسن والجمال ببعض الصِّفات، وامتاز ببعض المعاني المخلوقة المصنوعة. فما الظنُّ بمن له الجمالُ كلُّه، والكمال كلُّه، والإحسانُ والإجمال، ونسبةُ كلِّ جمالٍ في الوجود إلى جماله وجلاله
(١) همزة الاستفهام ساقطة من ش، د.
(٢) ر: «فأفناهن».
أقلُّ من نسبة سراجٍ ضعيفٍ إلى عين الشمس؟
ولمَّا علم سبحانه أنَّ قوى الأبصار١ لا تحتمل في هذه الدار رؤيتَه، احتجب عن عباده إلى يوم لقائه٢، فينشئهم نشأةً يتمكَّنون بها من مشاهدة جماله ورؤية وجهه؛ وأنت ترى بعض آياته ومخلوقاته ومبدعاته كيف يفنى فيها مشاهدها عن غيرها!
ولكنَّ هذا كلَّه في المشاهدات العيانيَّة، والواردات الوجدانيَّة. وأمَّا المعارف الإلهيَّة، فإنَّ حالة البقاء فيها أكمل من حالة الفناء، وهي حالة نبيِّنا صلوات الله وسلامه عليه، وحال الكُمَّل من أتباعه، ولهذا رأى ما رأى ليلة الإسراء وهو ثابت القلب، رابط الجأش، حاضر الإدراك، تامُّ التمييز، ولو رأى غيرُه بعضَ بعضِ٣ ذلك لما تمالك.
فإن قلت: ربَّما أفهمُ معنى فناء المعرفة في المعروف وفناء العِيان في المعايَن، فما معنى (فناء الطلب في الوجود)، حتَّى يكون (هو الفناء حقًّا)؟
قلت: متى فهمت الأمرين اللَّذَين قبله فهمت معناه، فإنَّ الواجد لمَّا ظفر بموجوده فني طلبُه له واضمحلَّ. وهذا مشهودٌ في الشاهد، فإنَّك ترى طالب أمرٍ مهمٍّ إذا ظفرت يداه به وبرَدَ له٤ كيف يفنى طلبُه في وجوده٥. لكن هذا
(١) ر: «البشر»، وفوقه: «لعله».
(٢) ت، ر: «القيامة».
(٣) كذا في جميع النسخ بتكرار «بعض»، ولم يرد في المطبوعات إلا مرة واحدة.
(٤) ر: «وبِدَركه»، تصحيف. ومعنى «برد له» أي: حصل له بحيث تمكَّن مِن أخذه. ومنه قول المؤلف في «زاد المعاد» (٣/ ٥٩٤): «وبردت الغنائم لأهلها».
(٥) ر، طبعة الفقي: «كيف يبرد طلبه ويفنى في وجوده».