ولمَّا علم سبحانه أنَّ قوى الأبصار١ لا تحتمل في هذه الدار رؤيتَه، احتجب عن عباده إلى يوم لقائه٢، فينشئهم نشأةً يتمكَّنون بها من مشاهدة جماله ورؤية وجهه؛ وأنت ترى بعض آياته ومخلوقاته ومبدعاته كيف يفنى فيها مشاهدها عن غيرها!
ولكنَّ هذا كلَّه في المشاهدات العيانيَّة، والواردات الوجدانيَّة. وأمَّا المعارف الإلهيَّة، فإنَّ حالة البقاء فيها أكمل من حالة الفناء، وهي حالة نبيِّنا صلوات الله وسلامه عليه، وحال الكُمَّل من أتباعه، ولهذا رأى ما رأى ليلة الإسراء وهو ثابت القلب، رابط الجأش، حاضر الإدراك، تامُّ التمييز، ولو رأى غيرُه بعضَ بعضِ٣ ذلك لما تمالك.
فإن قلت: ربَّما أفهمُ معنى فناء المعرفة في المعروف وفناء العِيان في المعايَن، فما معنى (فناء الطلب في الوجود)، حتَّى يكون (هو الفناء حقًّا)؟
قلت: متى فهمت الأمرين اللَّذَين قبله فهمت معناه، فإنَّ الواجد لمَّا ظفر بموجوده فني طلبُه له واضمحلَّ. وهذا مشهودٌ في الشاهد، فإنَّك ترى طالب أمرٍ مهمٍّ إذا ظفرت يداه به وبرَدَ له٤ كيف يفنى طلبُه في وجوده٥. لكن هذا
(١) ر: «البشر»، وفوقه: «لعله».
(٢) ت، ر: «القيامة».
(٣) كذا في جميع النسخ بتكرار «بعض»، ولم يرد في المطبوعات إلا مرة واحدة.
(٤) ر: «وبِدَركه»، تصحيف. ومعنى «برد له» أي: حصل له بحيث تمكَّن مِن أخذه. ومنه قول المؤلف في «زاد المعاد» (٣/ ٥٩٤): «وبردت الغنائم لأهلها».
(٥) ر، طبعة الفقي: «كيف يبرد طلبه ويفنى في وجوده».
محالٌ في حقِّ العارف، فإنَّ طلبه لا يفارقه، بل إذا وجد اشتدَّ طلبه، فلا يزال طالبًا، فكلَّما كان أوجد كان أطلب.
نعم، الذي يفنى: طلبُ حظِّه في طلب محبوبه وطلبِ مراضيه، وليس بعد هذا غاية، ولكنَّ الذي يشير إليه القوم: أنَّ العبد يصل في منزلة المحبَّة والمعرفة والاستغراق في المشاهدة إلى حالةٍ يستولي عليه أنوارُ القرب وآثارُ الصِّفات بحيث يذهل لبُّه عن شعوره وطلبه١ وإرادته ومحبَّته.
وإيضاح ذلك: أنَّ العبد إذا أقبل على ربِّه، وتفقَّد أحوالَه، وتمكَّن مِن شهود قيام ربِّه عليه، فإنَّه يكون في أوَّل أمره مكابدًا مصابرًا، فإذا صبر وصابر ورابط ــ صبر في نفسه، وصابر عدوَّه، ورابط على ثغر قلبه أن يدخل فيه خاطرٌ لا يحبُّه وليُّه الحقُّ ــ ظهر حينئذٍ في قلبه نورٌ من إقباله على ربِّه، فإذا قوي ذلك النُّور غيَّبه عن وجوده الذهنيِّ، وسرى به في مطاوي الغيب، وحينئذٍ يصفو له إقبالُه على ربِّه، فإذا صفا له ذلك غاب عن وجوده العينيِّ والذهنيِّ، فغاب بنور إقباله على ربِّه لوصول خالص الذِّكر وصافيه إلى قلبه، حيث خلا من كلِّ شاغلٍ من الوجود العينيِّ والذهنيِّ، وصار واحدًا لواحدٍ، فيستولي نور المراقبة على أجزاء باطنه، فيمتلئ قلبه من نور التوجُّه، بحيث يَغْمُر قلبَه ويستره عمَّا سواه، ثمَّ يسري ذلك النُّور من باطنه ويعمُّ أجزاء ظاهره، فيتشابه الظاهر والباطن فيه. وحينئذٍ فيفنى العبدُ عمَّا سواه، ويبقى بالمشهد الرُّوحيِّ الذاتيِّ الموجِب٢ للمحبَّة الخاصَّة الملهبة للروح.