محالٌ في حقِّ العارف، فإنَّ طلبه لا يفارقه، بل إذا وجد اشتدَّ طلبه، فلا يزال طالبًا، فكلَّما كان أوجد كان أطلب.
نعم، الذي يفنى: طلبُ حظِّه في طلب محبوبه وطلبِ مراضيه، وليس بعد هذا غاية، ولكنَّ الذي يشير إليه القوم: أنَّ العبد يصل في منزلة المحبَّة والمعرفة والاستغراق في المشاهدة إلى حالةٍ يستولي عليه أنوارُ القرب وآثارُ الصِّفات بحيث يذهل لبُّه عن شعوره وطلبه١ وإرادته ومحبَّته.
وإيضاح ذلك: أنَّ العبد إذا أقبل على ربِّه، وتفقَّد أحوالَه، وتمكَّن مِن شهود قيام ربِّه عليه، فإنَّه يكون في أوَّل أمره مكابدًا مصابرًا، فإذا صبر وصابر ورابط ــ صبر في نفسه، وصابر عدوَّه، ورابط على ثغر قلبه أن يدخل فيه خاطرٌ لا يحبُّه وليُّه الحقُّ ــ ظهر حينئذٍ في قلبه نورٌ من إقباله على ربِّه، فإذا قوي ذلك النُّور غيَّبه عن وجوده الذهنيِّ، وسرى به في مطاوي الغيب، وحينئذٍ يصفو له إقبالُه على ربِّه، فإذا صفا له ذلك غاب عن وجوده العينيِّ والذهنيِّ، فغاب بنور إقباله على ربِّه لوصول خالص الذِّكر وصافيه إلى قلبه، حيث خلا من كلِّ شاغلٍ من الوجود العينيِّ والذهنيِّ، وصار واحدًا لواحدٍ، فيستولي نور المراقبة على أجزاء باطنه، فيمتلئ قلبه من نور التوجُّه، بحيث يَغْمُر قلبَه ويستره عمَّا سواه، ثمَّ يسري ذلك النُّور من باطنه ويعمُّ أجزاء ظاهره، فيتشابه الظاهر والباطن فيه. وحينئذٍ فيفنى العبدُ عمَّا سواه، ويبقى بالمشهد الرُّوحيِّ الذاتيِّ الموجِب٢ للمحبَّة الخاصَّة الملهبة للروح.
(١) ر: «بطلبه».
(٢) ش، د: «الموجبة».
فمنهم من يَضعُف لقوَّة الوارد، فلا يمكنه أن يتَّسع لغير ما باشر سرُّه وقلبُه من آثار الحبِّ الخاصِّ. ومنهم١ من يقوى فيتَّسع٢ نظره، فيجد آثار الجلال والجمال المقدَّس في قلبه وروحه، ويجد العبوديَّةَ والمحبَّة والدُّعاء والافتقارَ والتوكُّل والخوف والرجاء وسائرَ الأعمالِ القلبيَّةِ قائمةً بقلبه، لا يَشْغَله عن مشهد الرُّوح، ولا يستغرقه مشهدُ الرُّوح عنه. ويجد ملاحظتَه للأوامر والنواهي حاضرًا في جذر قلبه حيث نزلت الأمانة، فلا يَشْغَله مشهدُ الرُّوح المستغرق، ولا مشهد القلب عن ملاحظة مراضي الربِّ تعالى ومحابِّه وحقِّه على عبده. ويجد ترك التدبير والاختيار وصحَّة التفويض موجودًا في محلِّ نفسه، فيعامل الله سبحانه بذلك، بحيث لا تشغله مشاهدةُ الأولى عنه، ويقوم بملاحظة عقله لأسرار حكمة الله في خلقه وأمره.
ولا يحجبه ذلك كلُّه عن ملاحظة عبوديَّته، فيبقى مغمورَ الرُّوح بملاحظة الفردانيَّة وجلالِها وجمالِها وكمالِها، قد استغرقَتْه محبَّتُه والشوق إليه، معمورَ القلب بعبادات القلوب، معمورَ العقل بملاحظة الحكمة ومعاني الخطاب، طاهرَ القلب عن سَفْساف الأخلاق مع الله تعالى ومع الخلق، قد صار عبدًا محضًا لربِّه بروحه وقلبه وعقله ونفسه وبدنه وجوارحه، قد قام كلٌّ بما عليه من العبوديَّة، بحيث لا تحجبه عبوديَّةُ بعضه عن عبوديَّة البعض الآخر٣، قد فني عن نفسه وبقي بربِّه. كما قال أبو بكرٍ الكتَّاني: جرت مسألةٌ في المحبَّة بمكَّة أيَّام الموسم، فتكلَّم الشيوخ فيها، وكان الجنيدُ أصغرَهم