مدارج السالكين

ويجزيَهم بالحسنى. وذلك لا يتمُّ إلّا بالرِّسالة والنُّبوّة، فكانت رحمته مقتضيةً لها١.

الخامس: ملكُه، فإنَّ المُلْكَ يقتضي التّصرُّفَ بالقول، كما أنَّ المِلْكَ يقتضي التّصرُّفَ بالفعل. فالملِكُ: المتصرِّفُ بأمره وقوله، فتُنَفَّذ٢ أوامرُه ومراسيمُه حيث شاء. والمالك: المتصرِّفُ في ملكه بفعله. والله له المُلْكُ، وله المِلْكُ، فهو المتصرِّفُ في خلقه بالقول والفعل.

فتصرُّفهُ٣ بقوله نوعان: تصرُّفٌ بكلماته الكونيّة، وتصرُّفٌ بكلماته الدِّينيّة، وكمالُ المُلْكِ بهما. فإرسالُ الرُّسل موجَبُ كمالِ مُلكه وسلطانه. وهذا هو المُلك المعقول في فِطَر النّاس وعقولهم، فكلُّ مَلِكٍ لا تكون٤ له رسلٌ يبُثُّها في أقطار مملكته فليس بمَلكٍ.

وبهذه الطّريق يُعلَم٥ وجودُ ملائكته٦، وأنَّ الإيمانَ بهم من لوازم الإيمان بمُلكه، فإنّهم رسلُ الله في خلقه وأمره.

السّادس: ثبوتُ يوم الدِّين، وهو يوم الجزاء الذي يدين الله فيه العباد بأعمالهم خيرًا وشرًّا. وهذا لا يكون إلّا بعد ثبوت الرِّسالة والنُّبوّة وقيام

  1. (١) الجملة "فكانت ... لها" ساقطة من ش.
  2. (٢) كذا ضبط في ش بضم التاء وفتح النون. وفي ج، ل: "فينفذ". وهو مهمل في ق، م.
  3. (٣) ع: "وتصرُّفه".
  4. (٤) أهمل حرف المضارع في ق، م. وفي غيرهما: "يكون". وقول المؤلف: "يبثُّها" يناسب ما أثبت.
  5. (٥) ش: "يعرف".
  6. (٦) ع: "الملائكة".
108

الحجّة التي بسببها يدان١ المطيع والعاصي.

السّابع: كونُه معبودًا، فإنّه لا يُعبد إلّا بما يحبُّه ويرضاه، ولا سبيل للخلق إلى معرفة ذلك إلّا من جهة رسله. فإنكارُ رسله إنكارٌ لكونه معبودًا.

الثّامن: كونُه٢ هاديًا إلى الصِّراط المستقيم، وهو معرفة الحقِّ والعمل به. وهو أقربُ الطُّرق الموصِلة إلى المطلوب، فإنَّ الخطَّ المستقيمَ هو أقرب خطٍّ فاصلٍ٣ بين نقطتين. وذلك لا يُعلَم إلّا من جهة الرُّسل قطعًا، فتوقُّفه على الرُّسل ضروريٌّ، أعظم من توقُّف الطّريق الحسِّيِّ على سلامة الحواسّ.

التّاسع: كونُه منعِمًا على أهل الهداية إلى الصِّراط المستقيم، فإنّ إنعامه عليهم إنّما تمَّ بإرسال الرُّسل إليهم، وجعلِهم قابلين لرسالاته٤، مستجيبين لدعوته. وبذلك ذكَّرهم مننَه٥ عليهم وإنعامه في كتابه.

العاشر: انقسامُ خلقه إلى منعَمٍ عليهم، ومغضوبٍ عليهم، وضالِّين. فإنّ

  1. (١) هكذا في ج، ع، وفي غيرهما "مدار"، فعدِّل في ل كما في ج، ع. وغيِّر "بسببها" في ش إلى "عليها"، وأشير إلى هذه النسخة في هامش م. أما الأصل فكان فيه: "سببها مدار"، فغيِّر "مدار" إلى "إنذار"، والمفترض أن يكون هذا الإصلاح صادرًا عن قراءة النسخة على المصنِّف، ولكن لم يتجه معناه.
  2. (٢) ش: "من كونه".
  3. (٣) كذا في الأصل وغيره هنا وفيما سبق (ص ١٥) والصواب: "واصل". وفي نشرة الفقي: "موصل".
  4. (٤) ع: "لرسالته".
  5. (٥) م، ش: "منته". وفي ج: "منه".
109

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي