سنًّا، فقالوا له: هاتِ ما عندك يا عراقيُّ؛ فأطرق ساعةً، ودمعت عيناه، ثمَّ قال: عبدٌ ذاهبٌ عن نفسه، متَّصلٌ بذكر ربِّه، قائمٌ بأداء حقوقه، ناظرٌ إليه بقلبه، أحرق قلبَه أنوارُ هيبته، وصفا شربُه من كأس ودِّه، وانكشف له الجبَّار من أستار غيبه، فإن تكلَّم١ فبالله، وإن نطق فمن الله، وإن تحرَّك٢ فبأمر الله، وإن سكن فمع الله، فهو بالله ولله ومع الله؛ فبكى الشُّيوخ وقالوا: ما على هذا مزيد، جبرك الله يا تاجَ العارفين٣.
فصل
قال الشيخ٤: (الدرجة الثانية: فناء شهود الطلب لإسقاطه، وفناء شهود العلم لإسقاطه٥، وفناء شهود العيان لإسقاطه).
إنَّما كانت هذه الدرجة من الفناء أعلى عنده ممَّا قبلها لأنَّها أبلغ في الفناء من جهة فناء أربابها عن فنائهم، قد سقط عن قلوبهم ذكرُ أحوالهم ومقاماتهم لِما هم فيه من الشُّغل بربِّهم.
وقوله: (لإسقاطه) أي: لإسقاط الشُّهود، لا إسقاطِ المشهود، فالطلب والعلم والعيان قائمٌ، وقد سقط شُّهوده لاستغراق صاحبه في المطلوب المعايَن.
(٥) لفظ مطبوعة «المنازل»: «فناء شهود المعرفة لإسقاطها». وكذا في شرحي التلمساني (ص ٥٧١) والقاساني (ص ٥٧٧).
فصل
قال١: (الدرجة الثالثة: الفناء عن شهود الفناء، وهو الفناء حقًّا، شائمًا برقَ العين، راكبًا بحر الجمع، سالكًا سبيل البقاء).
الفرق بين الفناء في هذه الدرجة والتي قبلها أنَّه في التي قبلها قد فني عن شهود طلبه وعلمه وعيانه، مع شعوره بفنائه عن ذلك، وفي هذه الدرجة قد فني عن ذلك كلِّه، وفني عن شهود فنائه، كما يقال: آخر من يموت ملَكُ الموت٢.
وإنَّما كان هذا الفناءُ عنده هو الفناءَ حقًّا لأنَّه قد فني فيه كلُّ ما سوى الحقِّ سبحانه، لأنَّ صاحبه الذي٣ يشهد الفناء قد فني، فلم يبق سوى الواحد القهَّار.
وقوله: (شائمًا برق العين)، الشائم: الناظر من بعدٍ، وبرق العين: نور الحقيقة، وقد تقدَّم التنبيه على استحالة تعلُّق هذا بالنُّور الخارجيِّ، وإنَّما هو أنوار القرب والمراقبة والحضور مع الله.
وقوله: (راكبًا بحر الجمع)، الجمع الذي يشيرون إليه عبارةٌ عن
(١) «المنازل» (ص ١٠٤).
(٢) روي ذلك في حديث أبي هريرة الطويل عند ابن راهويه في «مسنده» (١٠) والطبري في «تفسيره» (٢٠/ ٢٥٦ - ٢٥٧) والطبراني في «الطوال» (٣٦) وغيرهما بإسناد ضعيف. وانظر: «الضعفاء» للعقيلي (٥/ ٤١٤) و«تفسير ابن كثير» (الأنعام: ٧٣) و«أنيس الساري» (١١٧١).