مدارج السالكين

شخوص البصيرة إلى مجرَّد مصدر المتفرِّقات كلِّها، كما سيأتي بيانه في بابه إن شاء الله تعالى، وركوبُ لُجَّة هذا الجمع هو فناؤه فيه.

قوله: (سالكًا سبيل البقاء)، يعني: أنَّ من فني فقد تأهَّل للبقاء بالحقِّ، وهذا البقاء هو بعد الفناء، فإنَّه إذا تحقَّق بالفناء رُفع له عَلَم الحقيقة، فشمَّر إليه سالكًا في طريق البقاء، وهي القيام بالأورادِ وحفظُ الواردات، فحينئذٍ يرجى له الوصول.

فصل

لم يرد في الكتاب، ولا في السنَّة، ولا في كلام الصحابة والتابعين مدحُ لفظ الفناء ولا ذمُّه، ولا استعملوا لفظه في هذا المعنى المشارِ إليه البتَّة، ولا ذكره مشايخ الطريق المتقدِّمون، ولا جعلوه غايةً ولا مقامًا، وقد كان القوم أحقَّ بكلِّ كمالٍ، وأسبقَ إلى كلِّ غايةٍ محمودةٍ.

ونحن لا ننكر هذا اللفظ مطلقًا١، ولا نقبله مطلقًا٢، بل لابدَّ فيه من التفصيل، وبيانِ صحيحه من معلوله، ووسيلته من غايته.

فنقول ــ وبالله التوفيق، وهو الفتَّاح ــ: حقيقة الفناء المشار إليه هو استهلاك الشَّيء في الوجود العلميِّ الذهنيِّ، وهاهنا تَقَسَّمَه أهلُ الاستقامة وأهل الزيغ والإلحاد، فزعم أهلُ الاتِّحاد ــ القائلين بوحدة الوجود ــ أنَّ الفناء الذي هو غاية هو الفناء عن وجود السِّوى، فلا يثبت للسِّوى وجودٌ

  1. (١) «مطلقًا» ساقط من ش، د.
  2. (٢) «ولا نقبله مطلقًا» ساقط من ت.
342

البتَّة، لا في الشُّهود ولا في العِيان، بل يتحقَّق بشهودِ١ وحدة الوجود، فيعلم حينئذٍ أنَّ وجود جميع الموجودات هو عين وجود الحقِّ، فما ثمَّ وجودان، بل الموجود واحد. وحقيقة الفناء عندهم أن يفنى عمَّا لا حقيقة له بل هو وهمٌ وخيال، فيفنى عمَّا هو فانٍ في نفسه لا وجودَ له، فيشهد فناء وجود كلِّ ما سواه في وجوده، وهذا تعبيرٌ محضٌ، وإلَّا في الحقيقة ليس عند القوم «سوى» ولا «غير»، وإنَّما السِّوى والغير في الوهم والخيال. فحول هذا الفناء يدندنون وعليه يحومون.

وأمَّا أهلُ التوحيد والاستقامة، فيشيرون بالفناء إلى أمرين أحدُهما أرفع من الآخر:

الأمر الأوَّل: في٢ شهود الرُّبوبية والقَيُّومية، فيشهد تفرُّد الربِّ تعالى بالقَيُّوميَّة والتدبير، والخلق والرِّزق، والعطاء والمنع، والضُّرِّ والنّفع، وأنَّ جميع الموجودات منفعلةٌ لا فاعلةٌ، وما له منها فعلٌ فهو منفعلٌ في فعله، محلٌّ محضٌ لجريان أحكام الربوبيَّة عليه، لا يملك شيءٌ٣ منها لنفسه ولا لغيره ضرًّا ولا نفعًا.

فإذا تحقَّق بهذا المشهد خمدت منه الخواطر والإرادات، نظرًا إلى القيُّوم الذي بيده تدبير الأمور، وشخوصًا منه إلى مشيئته وحكمه، فهو ناظرٌ منه به إليه، فانٍ بشهوده عن شهود ما سواه. ومع هذا فهو ساعٍ في طلب الوصول إليه، قائمًا بالواجبات والنوافل.

  1. (١) ش، د: «يتحقق شهودُ». ت: «يحقق شهودَ». ولعل المثبت من ر أقرب.
  2. (٢) ت: «هو». ر: «الفناء في».
  3. (٣) ر، المطبوعات: «شيئًا»، خطأ.
343

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي