البتَّة، لا في الشُّهود ولا في العِيان، بل يتحقَّق بشهودِ١ وحدة الوجود، فيعلم حينئذٍ أنَّ وجود جميع الموجودات هو عين وجود الحقِّ، فما ثمَّ وجودان، بل الموجود واحد. وحقيقة الفناء عندهم أن يفنى عمَّا لا حقيقة له بل هو وهمٌ وخيال، فيفنى عمَّا هو فانٍ في نفسه لا وجودَ له، فيشهد فناء وجود كلِّ ما سواه في وجوده، وهذا تعبيرٌ محضٌ، وإلَّا في الحقيقة ليس عند القوم «سوى» ولا «غير»، وإنَّما السِّوى والغير في الوهم والخيال. فحول هذا الفناء يدندنون وعليه يحومون.
وأمَّا أهلُ التوحيد والاستقامة، فيشيرون بالفناء إلى أمرين أحدُهما أرفع من الآخر:
الأمر الأوَّل: في٢ شهود الرُّبوبية والقَيُّومية، فيشهد تفرُّد الربِّ تعالى بالقَيُّوميَّة والتدبير، والخلق والرِّزق، والعطاء والمنع، والضُّرِّ والنّفع، وأنَّ جميع الموجودات منفعلةٌ لا فاعلةٌ، وما له منها فعلٌ فهو منفعلٌ في فعله، محلٌّ محضٌ لجريان أحكام الربوبيَّة عليه، لا يملك شيءٌ٣ منها لنفسه ولا لغيره ضرًّا ولا نفعًا.
فإذا تحقَّق بهذا المشهد خمدت منه الخواطر والإرادات، نظرًا إلى القيُّوم الذي بيده تدبير الأمور، وشخوصًا منه إلى مشيئته وحكمه، فهو ناظرٌ منه به إليه، فانٍ بشهوده عن شهود ما سواه. ومع هذا فهو ساعٍ في طلب الوصول إليه، قائمًا بالواجبات والنوافل.
الأمر الثاني: الفناء في مشهد الإلهيَّة، وحقيقته١: الفناء عن إرادة ما سوى الله ومحبَّته، والإنابةِ إليه، والتوكُّلِ عليه، وخوفِه ورجائه؛ فيفنى بحبِّه عن حبِّ ما سواه، وبخوفه ورجائه عن خوف ما سواه ورجائه. وحقيقة هذا الفناء: إفراد الربِّ سبحانه بالمحبَّة والخوف والرجاء والتعظيم والإجلال. ونحن نشير إلى مبادئ ذلك وتوسُّطه وغايته:
اعلم أنَّ القلب إذا خلا من الاهتمام بالدنيا والتعلُّق بما فيها من مالٍ أو رياسةٍ أو صورة، وتعلَّقَ بالآخرة، والاهتمامِ بها من تحصيل العدَّة، والتَّأهُّبِ للقدوم على الله سبحانه= فذلك أوَّلُ فتوحه وتباشيرُ فجره، فعند ذلك يتحرَّك قلبُه لمعرفة ما يرضى ربُّه منه فيفعله ويتقرَّب به إليه، وما يسخطه منه فيجتنبه. وهذا عنوان صدق إرادته، فإنَّ كلَّ من أيقن بلقاء اللهِ وأنَّه سائلُه عن كلمتين يُسأل عنهما الأوَّلون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ = لابدَّ أن يتنبَّه لطلب معرفة معبوده والطريق الموصلة إليه، فإذا تمكَّن في ذلك فُتح له باب الأنس بالخلوة والوحدة والأماكن الخالية التي تهدأ فيها الأصوات والحركات، فلا شيءَ أشوقُ إليه من ذلك، فإنَّها تجمع عليه قوى قلبه وإرادته، وتسدُّ عليه الأبواب التي تفرِّق همَّه وتشتِّتُ قلبه، فيأنس بها ويستوحش من الخلق.
ثمَّ يُفتح له حلاوة العبادة بحيث لا يكاد يشبع منها، ويجد فيها مِن اللذَّة والراحة أضعاف ما كان يجده في لذَّة اللهو واللعب ونيل الشهوات، بحيث إذا دخل في الصلاة ودَّ أن لا يخرج منها٢.