مدارج السالكين

ثمَّ يُفتح له حلاوة استماع كلام الله فلا يشبع منه، وإذا سمعه هدأ قلبه به كما يهدأ الصبيُّ إذا أعطي ما هو شديد المحبَّة له. ثمَّ يُفتح له شهودُ عظمة المتكلِّم به وجلاله، وكمال نعوته وصفاته وحكمته، ومعاني خطابه، بحيث يستغرق قلبه في ذلك حتَّى يغيب فيه، ويحسُّ بقلبه قد دخل في عالمٍ آخر١ غير٢ ما الناس فيه.

ثمَّ يُفتح له باب الحياء من الله، وهو أوَّل شواهد المعرفة. وهو نورٌ يقع في القلب، يريه ذلك٣ النُّور أنَّه واقفٌ بين يدي ربِّه ﷿، فيستحيي منه في خلواته وجلواته، ويُرزق عند ذلك دوامَ المراقبة للرقيب، ودوامَ التطلُّع إلى حضرة العليِّ الأعلى، حتَّى كأنَّه يراه ويشاهده فوقَ سماواته، مستويًا على عرشه٤، ناظرًا إلى خلقه، سامعًا لأصواتهم، مشاهدًا لبواطنهم. فإذا استولى عليه هذا الشاهد غطَّى عليه كثيرًا من الهموم بالدُّنيا وما فيها، فهو في وجودٍ والناس في وجودٍ آخر، هو في وجودٍ بين يدي ربِّه ووليِّه، ناظرًا إليه بقلبه، والناس في حجاب عالم الشهادة في الدُّنيا، فهو يراهم وهم لا يرونه، ولا يرون منه إلَّا ما يناسب عالمهم ووجودهم.

  1. (١) هذا آخر ص ٢٥٧ من نسخة ت، وقد سقطت بعدها صفحتان (٢٥٨، ٢٥٩) من التصوير.
  2. (٢) «غير» ساقطة من ش. واستُدركت في د بخط مغاير.
  3. (٣) «ذلك» ساقط من ش، د.
  4. (٤) «فوقَ سماواته، مستويًا على عرشه» ضرب عليه بعضهم في ش بحيث لا يظهر معه الكلام البتة.
345

ثمّ يفتح له الشُّعور١ بمشهد القيُّوميَّة، فيرى سائر التقلُّبات الكونيَّة وتصاريف الوجود بيده سبحانه وحده، فيَشهده مالكَ الضرِّ والنفع، والخلق والرِّزق، والإحياء والإماتة، فيتَّخذه وحده وكيلًا، ويرضى به ربًّا ومدبِّرًا وكافيًا. وعند ذلك إذا٢ وقع نظرُه على شيءٍ من المخلوقات دلَّه على خالقه وبارئه، وصفاتِ كماله ونعوت جلاله، فلا يحجبه خلقه عنه سبحانه، بل يناديه كلٌّ من المخلوقات بلسان حاله: اسمع شهادتي لمن أحسن كلَّ شيءٍ خَلَقه، فأنا صنع الله الذي أتقن كلَّ شيءٍ.

فإذا استمرَّ له ذلك فُتح عليه باب القبض والبسط، فيقبض عليه حتَّى٣ يجد ألم القبض لقوَّة وارده، ثمَّ يفيض٤ وعاؤه٥ بأنوار الوجود، فيفنى عن وجوده، وينمحي كما يمحو نورُ الشمس نورَ الكواكب، ويطوي الكون عن قلبه بحيث لا يبقى فيه إلَّا الله الواحد القهَّار، وتفيض أنوار المعرفة والمعاملة والصِّدق والإخلاص والمحبَّة من قلبه، كما يفيض نور الشمس عن جرمها، فيغرق حينئذٍ في الأنوار كما يغرق راكب البحر في البحر. وذلك إنَّما يكون بعد٦ الرِّياضة والمجاهدة، وزوالِ أحكام الطبيعة، وطولِ الوقوف في الباب.

  1. (١) ر: «باب الشعور».
  2. (٢) ش، د: «فإذا».
  3. (٣) «حتى» ساقطة من ش.
  4. (٤) ر: «يقبض».
  5. (٥) ش، ر، المطبوع: «وعاءه».
  6. (٦) ر: «في».
346

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي