ثمّ يفتح له الشُّعور١ بمشهد القيُّوميَّة، فيرى سائر التقلُّبات الكونيَّة وتصاريف الوجود بيده سبحانه وحده، فيَشهده مالكَ الضرِّ والنفع، والخلق والرِّزق، والإحياء والإماتة، فيتَّخذه وحده وكيلًا، ويرضى به ربًّا ومدبِّرًا وكافيًا. وعند ذلك إذا٢ وقع نظرُه على شيءٍ من المخلوقات دلَّه على خالقه وبارئه، وصفاتِ كماله ونعوت جلاله، فلا يحجبه خلقه عنه سبحانه، بل يناديه كلٌّ من المخلوقات بلسان حاله: اسمع شهادتي لمن أحسن كلَّ شيءٍ خَلَقه، فأنا صنع الله الذي أتقن كلَّ شيءٍ.
فإذا استمرَّ له ذلك فُتح عليه باب القبض والبسط، فيقبض عليه حتَّى٣ يجد ألم القبض لقوَّة وارده، ثمَّ يفيض٤ وعاؤه٥ بأنوار الوجود، فيفنى عن وجوده، وينمحي كما يمحو نورُ الشمس نورَ الكواكب، ويطوي الكون عن قلبه بحيث لا يبقى فيه إلَّا الله الواحد القهَّار، وتفيض أنوار المعرفة والمعاملة والصِّدق والإخلاص والمحبَّة من قلبه، كما يفيض نور الشمس عن جرمها، فيغرق حينئذٍ في الأنوار كما يغرق راكب البحر في البحر. وذلك إنَّما يكون بعد٦ الرِّياضة والمجاهدة، وزوالِ أحكام الطبيعة، وطولِ الوقوف في الباب.
(١) ر: «باب الشعور».
(٢) ش، د: «فإذا».
(٣) «حتى» ساقطة من ش.
(٤) ر: «يقبض».
(٥) ش، ر، المطبوع: «وعاءه».
(٦) ر: «في».
وهذا هو من علم اليقين، لا من عين اليقين، ولا من حقِّ اليقين، إذ لا سبيل إليهما في هذه الدار، فإنَّ عين اليقين مشاهدة، وحقَّ اليقين مباشرة. نعم، قد يكون حقُّ اليقين وعين اليقين في هذه الدُّنيا بالنِّسبة إلى الوجود الذِّهنيِّ وما يقوم بالقلوب فقط، ليس إلَّا، كما تقدَّم تقريره مرارًا. ونحن١ لا تأخذنا في ذلك لومةُ لائمٍ، وهم لا تأخذهم في كون ذلك في العيان لومةُ لائمٍ، وهم عندنا صادقون ملبوسٌ عليهم، ونحن عندهم محجوبون عن ذلك غير واصلين إليه.
فإن استمرَّ على حاله واقفًا بباب مولاه، لا يلتفت عنه يمينًا ولا شمالًا، ولا يجيب غير من يدعوه إليه، ويعلم أنَّ الأمر وراء ذلك، وأنَّه لم يصل بعد، ومتى توهَّم أنَّه قد وصل انقطع وانقطع عنه المزيد= رُجي أن يفتح له فتحٌ آخر، هو فوق ما كان فيه، فيستغرق قلبُه في أنوار مشاهد الجلال بعد ظهور أنوار الوجود الحقِّ، ومحوِ وجوده هو. ولا تتوهَّم أنَّ وجود ذاته وصفاته يبطل، بل الذي يبطل: وجوده النفسانيُّ الطَّبْعيُّ، ويبقى له وجودٌ قلبيٌّ روحانيٌّ ملكيٌّ، فيبقى قلبُه سابحًا في بحرٍ من أنوار آثار الجلال، فتنبع الأنوار من باطنه كنبع الماء من العين، حتَّى يجد الملكوت الأعلى كأنَّه في باطنه وقلبه، ويجدَ قلبه عاليًا على ذلك كلِّه، صاعدًا إلى مَن ليس فوقه شيء.
ثمَّ يرقِّيه الله سبحانه، فيُشهده أنوارَ الإكرام بعد ما شهد أنوار الجلال، فيستغرق في نورٍ مِن أشعَّة الجمال. وفي هذا المشهد يذوق المحبَّة الخاصَّة الملهبة للأرواح والقلوب، فيبقى القلب مأسورًا في يد حبيبه ووليِّه، ممتحنًا بحبِّه.