مدارج السالكين

وهذا هو من علم اليقين، لا من عين اليقين، ولا من حقِّ اليقين، إذ لا سبيل إليهما في هذه الدار، فإنَّ عين اليقين مشاهدة، وحقَّ اليقين مباشرة. نعم، قد يكون حقُّ اليقين وعين اليقين في هذه الدُّنيا بالنِّسبة إلى الوجود الذِّهنيِّ وما يقوم بالقلوب فقط، ليس إلَّا، كما تقدَّم تقريره مرارًا. ونحن١ لا تأخذنا في ذلك لومةُ لائمٍ، وهم لا تأخذهم في كون ذلك في العيان لومةُ لائمٍ، وهم عندنا صادقون ملبوسٌ عليهم، ونحن عندهم محجوبون عن ذلك غير واصلين إليه.

فإن استمرَّ على حاله واقفًا بباب مولاه، لا يلتفت عنه يمينًا ولا شمالًا، ولا يجيب غير من يدعوه إليه، ويعلم أنَّ الأمر وراء ذلك، وأنَّه لم يصل بعد، ومتى توهَّم أنَّه قد وصل انقطع وانقطع عنه المزيد= رُجي أن يفتح له فتحٌ آخر، هو فوق ما كان فيه، فيستغرق قلبُه في أنوار مشاهد الجلال بعد ظهور أنوار الوجود الحقِّ، ومحوِ وجوده هو. ولا تتوهَّم أنَّ وجود ذاته وصفاته يبطل، بل الذي يبطل: وجوده النفسانيُّ الطَّبْعيُّ، ويبقى له وجودٌ قلبيٌّ روحانيٌّ ملكيٌّ، فيبقى قلبُه سابحًا في بحرٍ من أنوار آثار الجلال، فتنبع الأنوار من باطنه كنبع الماء من العين، حتَّى يجد الملكوت الأعلى كأنَّه في باطنه وقلبه، ويجدَ قلبه عاليًا على ذلك كلِّه، صاعدًا إلى مَن ليس فوقه شيء.

ثمَّ يرقِّيه الله سبحانه، فيُشهده أنوارَ الإكرام بعد ما شهد أنوار الجلال، فيستغرق في نورٍ مِن أشعَّة الجمال. وفي هذا المشهد يذوق المحبَّة الخاصَّة الملهبة للأرواح والقلوب، فيبقى القلب مأسورًا في يد حبيبه ووليِّه، ممتحنًا بحبِّه.

  1. (١) ش، د: «فنحن».
347

وإن شئت أن تفهم ذلك تقريبًا، فانظر إليك ــ أو إلى غيرك ــ وقد امتُحنتَ بصورةٍ بديعة الجمال ظاهرًا وباطنًا، فملكَتْ عليك قلبك وفكرك، وليلك ونهارك؛ فيحصل له١ نارٌ من المحبَّة تتضرَّم٢ في أحشائه يقلُّ٣ معها الاصطبار، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

فيا له مِن٤ قلبٍ ممتحنٍ مغمورٍ مستغرقٍ بما ظهر له من أشعَّة أنوار الجمال الأحديِّ! والناس مفتونون ممتحنون بما يفنى من المال والصُّور والرِّياسة، معذَّبون بذلك قبل حصوله وحالَ حصوله وبعدَ حصوله، وأعلاهم مرتبةً من يكون مفتونًا بالحور العين، أو عاملًا على تمتُّعه في الجنَّة بالأكل والشُّرب واللِّباس والنِّكاح.

وهذا المحبُّ قد ترقَّى في درجات المحبَّة على أهل المقامات، ينظرون إليه في الجنَّة كما يُنظر إلى الكوكب الدُّرِّيِّ الغابر في الأفق لعلوِّ درجته وقربِ منزلته من حبيبه ومعيَّته معه، فإنَّ المرء مع من أحبَّ، ولكلِّ عملٍ جزاءٌ وجزاءُ المحبَّة: المحبَّةُ والوصولُ والاصطناع والقرب، فهذا هو الذي يصلح، وكفى بذلك شرفًا وفخرًا في عاجل الدُّنيا، فما ظنُّك بمقاماتهم العالية عند مليكٍ مقتدرٍ؟ كيف إذا رأيتهم في موقف القيامة، وقد أسمعهم المنادي: لينطلق كلُّ قومٍ مع ما كانوا يعبدون، فيبقَون في مكانهم ينتظرون معبودهم وحبيبهم الذي هو أحبُّ شيءٍ

  1. (١) كذا، على سبيل الالتفات من الخطاب إلى الغيبة.
  2. (٢) ر: «فتَضْرَم».
  3. (٣) ر: «يعزُّ».
  4. (٤) «من» ساقطة من ش، د.
348

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي