مدارج السالكين

وإن شئت أن تفهم ذلك تقريبًا، فانظر إليك ــ أو إلى غيرك ــ وقد امتُحنتَ بصورةٍ بديعة الجمال ظاهرًا وباطنًا، فملكَتْ عليك قلبك وفكرك، وليلك ونهارك؛ فيحصل له١ نارٌ من المحبَّة تتضرَّم٢ في أحشائه يقلُّ٣ معها الاصطبار، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

فيا له مِن٤ قلبٍ ممتحنٍ مغمورٍ مستغرقٍ بما ظهر له من أشعَّة أنوار الجمال الأحديِّ! والناس مفتونون ممتحنون بما يفنى من المال والصُّور والرِّياسة، معذَّبون بذلك قبل حصوله وحالَ حصوله وبعدَ حصوله، وأعلاهم مرتبةً من يكون مفتونًا بالحور العين، أو عاملًا على تمتُّعه في الجنَّة بالأكل والشُّرب واللِّباس والنِّكاح.

وهذا المحبُّ قد ترقَّى في درجات المحبَّة على أهل المقامات، ينظرون إليه في الجنَّة كما يُنظر إلى الكوكب الدُّرِّيِّ الغابر في الأفق لعلوِّ درجته وقربِ منزلته من حبيبه ومعيَّته معه، فإنَّ المرء مع من أحبَّ، ولكلِّ عملٍ جزاءٌ وجزاءُ المحبَّة: المحبَّةُ والوصولُ والاصطناع والقرب، فهذا هو الذي يصلح، وكفى بذلك شرفًا وفخرًا في عاجل الدُّنيا، فما ظنُّك بمقاماتهم العالية عند مليكٍ مقتدرٍ؟ كيف إذا رأيتهم في موقف القيامة، وقد أسمعهم المنادي: لينطلق كلُّ قومٍ مع ما كانوا يعبدون، فيبقَون في مكانهم ينتظرون معبودهم وحبيبهم الذي هو أحبُّ شيءٍ

  1. (١) كذا، على سبيل الالتفات من الخطاب إلى الغيبة.
  2. (٢) ر: «فتَضْرَم».
  3. (٣) ر: «يعزُّ».
  4. (٤) «من» ساقطة من ش، د.
348

إليهم، حتَّى يأتيهم فينظرون إليه، ويتجلَّى لهم ضاحكًا١.

والمقصود: أنَّ هذا العبد لا يزال اللهُ يرقِّيه طبقًا بعد طبقٍ، ومنزلًا بعد منزلٍ، إلى أن يوصله إليه ويمكِّن له بين يديه، أو يموتَ في الطريق فيقع أجرُه على الله. فالسعيد كلُّ السعيد، الموفَّقُ٢ كلَّ التوفيق٣ مَن لم يلتفت عن ربِّه ﵎ يمينًا ولا شمالًا، ولا اتَّخذ سواه ربًّا ولا وكيلًا، ولا حبيبًا ولا مدبِّرًا، ولا حكمًا ولا ناصرًا ولا رازقًا.

وجميع ما تقدَّم من مراتب الوصول إنَّما هو شواهدُ وأمثلة، إذا تجلَّت له الحقائق في الغيب ــ بحسب استعداده ولطفه ورقَّته ــ من حيث لا يراها= ظهر له من تجلِّيها شاهدٌ في قلبه، وذلك الشّاهد دالٌّ عليها ليس هو عينَها، فإنَّ نور الجلال في القلب ليس هو نور ذي الجلال في الخارج، فإنَّ ذلك لا تقوم له السماوات والأرض، ولو ظهر للوجود لتَدَكْدَك، لكنَّه شاهدٌ دالٌّ على ذلك، كما أنَّ المثل الأعلى شاهدٌ دالٌّ على الذات، والحقُّ وراء ذلك كلِّه، منزَّهٌ عن حلولٍ واتِّحادٍ وممازجةٍ لخلقه. وإنَّما تلك رقائق وشواهد تقوم بقلب العارف، تدلُّ على قرب الألطاف منه في عالم الغيب حيث لا يراها. وإذا فني فإنَّما يفنى بحال نفسه لا بالله ولا فيه، وإذا بقي فإنَّما يبقى بحاله هو ووصفه، لا ببقاء ربِّه وصفاته، ولا يبقى بالله إلَّا الله.

ومع ذلك فالوصول حقٌّ، يجد الواصل آثار تجلِّي الصِّفات في قلبه، وآثار تجلِّي الحقِّ في قلبه، ويُوقَف القلب فوق الأكوان كلِّها بين يدي الربِّ تعالى،

  1. (١) كما في حديث جابر عند مسلم (١٩١/ ٣١٦).
  2. (٢) ر: «والموفَّق».
  3. (٣) ر: «الموفَّق».
349

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي