مدارج السالكين

الحجّة التي بسببها يدان١ المطيع والعاصي.

السّابع: كونُه معبودًا، فإنّه لا يُعبد إلّا بما يحبُّه ويرضاه، ولا سبيل للخلق إلى معرفة ذلك إلّا من جهة رسله. فإنكارُ رسله إنكارٌ لكونه معبودًا.

الثّامن: كونُه٢ هاديًا إلى الصِّراط المستقيم، وهو معرفة الحقِّ والعمل به. وهو أقربُ الطُّرق الموصِلة إلى المطلوب، فإنَّ الخطَّ المستقيمَ هو أقرب خطٍّ فاصلٍ٣ بين نقطتين. وذلك لا يُعلَم إلّا من جهة الرُّسل قطعًا، فتوقُّفه على الرُّسل ضروريٌّ، أعظم من توقُّف الطّريق الحسِّيِّ على سلامة الحواسّ.

التّاسع: كونُه منعِمًا على أهل الهداية إلى الصِّراط المستقيم، فإنّ إنعامه عليهم إنّما تمَّ بإرسال الرُّسل إليهم، وجعلِهم قابلين لرسالاته٤، مستجيبين لدعوته. وبذلك ذكَّرهم مننَه٥ عليهم وإنعامه في كتابه.

العاشر: انقسامُ خلقه إلى منعَمٍ عليهم، ومغضوبٍ عليهم، وضالِّين. فإنّ

  1. (١) هكذا في ج، ع، وفي غيرهما "مدار"، فعدِّل في ل كما في ج، ع. وغيِّر "بسببها" في ش إلى "عليها"، وأشير إلى هذه النسخة في هامش م. أما الأصل فكان فيه: "سببها مدار"، فغيِّر "مدار" إلى "إنذار"، والمفترض أن يكون هذا الإصلاح صادرًا عن قراءة النسخة على المصنِّف، ولكن لم يتجه معناه.
  2. (٢) ش: "من كونه".
  3. (٣) كذا في الأصل وغيره هنا وفيما سبق (ص ١٥) والصواب: "واصل". وفي نشرة الفقي: "موصل".
  4. (٤) ع: "لرسالته".
  5. (٥) م، ش: "منته". وفي ج: "منه".
109

هذا الانقسام ضروريٌّ بحسب انقسامهم في معرفة الحقِّ والعمل به إلى عالمٍ به عاملٍ بموجَبه وهم أهل النِّعمة، وعالمٍ به معاندٍ له وهم أهل الغضب، وجاهلٍ به وهم الضّالُّون. وهذا الانقسام١ إنّما نشأ بعد إرسال الرُّسل، فلولا الرُّسلُ لكانوا أمّةً واحدةً. فانقسامُهم إلى هذه الأقسام مستحيلٌ بدون الرِّسالة، وهذا الانقسام ضروريٌّ بحسب الواقع، فالرِّسالةُ ضروريّةٌ.

وقد تبيَّن لك بهذه الطّريق وبالتي قبلها تضمُّنُها٢ للرّدِّ على من أنكر المعاد الجسمانيّ وقيامة الأبدان، وعرفتَ اقتضاءها ضرورةً لثبوت الثّواب والعقاب والأمر والنّهي. وهو الحقُّ الذي خُلِقت به وله السّماوات والأرض والدُّنيا والآخرة، وهو مقتضى الخلق والأمر، ونفيُه نفيٌ لهما.

فصل

وإذا٣ ثبتت النُّبوّات والرِّسالة ثبتت صفة التّكلُّم والتّكليم. فإنَّ حقيقة الرِّسالة تبليغ كلام المرسل، فإذا لم يكن ثَمَّ٤ كلامٌ فماذا يبلِّغ الرّسول! بل كيف يُعقَل كونُه رسولًا! ولهذا قال غير واحدٍ من السّلف: من أنكر أن يكون الله متكلِّمًا وأن يكون القرآن كلامه، فقد أنكر رسالة محمّدٍ ﷺ، بل ورسالةَ جميعِ الرُّسل التي حقيقتُها تبليغُ كلام الرَّبِّ ﵎٥. ولهذا قال منكرو رسالته ﷺ عن القرآن: ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ٢٤ إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ البَشَرِ﴾

  1. (١) العبارة: "ضروري ... الانقسام" ساقطة من ش لانتقال النظر.
  2. (٢) ع: "بيان تضمنها"، وهو خطأ.
  3. (٣) ع: "إذا" دون الواو قبلها.
  4. (٤) ع: "ثمة".
  5. (٥) تقدَّم في (ص ٤٠).
110

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي