وهو على عرشه١، ومن هناك يكاشَف بآثار الجلال والإكرام، فيجد العرش والكرسيَّ تحت مشهدِ قلبه حُكمًا، وليس الذي يجده تحت قلبه حقيقةً العرشَ والكرسيَّ، بل شاهدٌ ومثالٌ علميٌّ يدلُّ على قرب قلبه من ربِّه، وقرب ربِّه من قلبه؛ وبين الذَّوقين تفاوتٌ، فإذا قَرُب الربُّ تعالى من قلب عبده بقيت الأكوان كلُّها تحت مشهد قلبه، وحينئذٍ فتَطْلُع في أفقه شمسُ التوحيد، فينقطع بها ضبابُ وجوده ويضمحلُّ ويتلاشى، وذاتُه وحقيقته موجودةٌ بائنةٌ عن ربِّه، وربُّه بائنٌ عنه، فحينئذٍ يغيب العبد عن نفسه ويفنى، وفي الحقيقة هو باقٍ غيرُ فانٍ، ولكنَّه ليس في سرِّه غير الله، قد فني فيه كلُّ ما سواه.
نعم، قد يتَّفق له في هذه الحالة أن لا يجد شيئًا غير الله، فذلك لاستغراق قلبه في مشهوده وموجوده، ولو كان ذلك في نفس الأمر لكان العبد في هذه الحال خالقًا بارئًا مصوِّرًا أزليًّا أبديًّا.
فعليك بهذا الفرقان، واحذر فريقين هما أعدى عدوٍّ لهذا الشأن:
فريق الجهميَّة المعطِّلة التي ليس عندها فوق العرش إلَّا العدم المحض، فشمُّ رائحة هذا المقام من أبعد الأمكنة حرامٌ عليها.
وفريق أهل الاتِّحاد٢ القائلين بوحدة الوجود، وأنَّ العبد ينتهي في هذا السفر إلى أن يشهد وجوده هو عينَ وجودِ الحقِّ ﷻ. وعيشُك بجهلك خيرٌ من معرفة هاتين الطائفتين، وانقطاعُك مع أهل الشهوات خيرٌ من سيرك معهما، والله المستعان وعليه التُّكلان.
(١) «وهو على عرشه» لم يظهر في ش لما عليه من الضرب والشطب.
(٢) ش، د: «الإلحاد»، وهو محتمل.
فصل
قال الشّيخ١: (باب البقاء. قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾[طه: ٧٣]).
البقاء الذي يشير إليه القوم: هو صفة العبد ومقامه، والبقاء في الآية: هو بقاء الرّبِّ تعالى ودوام وجوده، وإنّما ذكره مؤمنو السَّحَرة في هذا المكان لأنّ عدوّ الله فرعون توعَّدهم على الإيمان بإتلاف حياتهم وإفناء ذواتهم، فقالوا له: وإن فعلتَ ذلك، فالّذي آمنّا به وانتقلنا من عبوديّتك إلى عبوديّته، ومن طلبِ رضاك والمنزلةِ٢ عندك إلى طلب رضاه والمنزلة عنده= خيرٌ منك وأدومُ، وعذابك ونعيمك ينقطع ويفرغ، وعذابه هو ونعيمه وكرامته لا ينقطع ولا يبيد، فكيف نُؤثِر المنقطع الفاني الأدنى على الباقي المستمرِّ الأعلى؟
ولكن وجه الإشارة بالآية أنّ الوسائل والتّعلُّقات والمحبّة والإرادة تابعةٌ لغاياتها ومحبوبها ومرادها، فمن كانت غاية محبّته وإرادته منقطعةً انقطع تعلُّقه عند انقطاعها، وذهب عمله وسعيه واضمحلّ. ومن كان مطلوبه وغايته باقيًا دائمًا لا زوالَ له ولا فناء، ولا يضمحلُّ ولا يتلاشى٣ = دام تعلُّقه ونعيمه به بدوامه. فالوسائل تابعةٌ للغايات، والتّعلُّقات تابعةٌ لمتعلَّقاتها، والمحبّة تابعةٌ للمحبوب، فليس المحبوب الذي يتلاشى ويضمحلُّ ويفنى كالمحبوب الذي كلُّ شيءٍ هالكٌ إلّا وجهه، فالمحبُّ باقٍ
(١) «المنازل» (ص ١٠٥).
(٢) ت: «والذلة» هنا وفيما يأتي.
(٣) زيد في ش، د فوق السطر: «بل» بخط مغاير، وهي زيادة يختل بها السياق.