مدارج السالكين

فصل

قال الشّيخ١: (باب البقاء. قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ٧٣]).

البقاء الذي يشير إليه القوم: هو صفة العبد ومقامه، والبقاء في الآية: هو بقاء الرّبِّ تعالى ودوام وجوده، وإنّما ذكره مؤمنو السَّحَرة في هذا المكان لأنّ عدوّ الله فرعون توعَّدهم على الإيمان بإتلاف حياتهم وإفناء ذواتهم، فقالوا له: وإن فعلتَ ذلك، فالّذي آمنّا به وانتقلنا من عبوديّتك إلى عبوديّته، ومن طلبِ رضاك والمنزلةِ٢ عندك إلى طلب رضاه والمنزلة عنده= خيرٌ منك وأدومُ، وعذابك ونعيمك ينقطع ويفرغ، وعذابه هو ونعيمه وكرامته لا ينقطع ولا يبيد، فكيف نُؤثِر المنقطع الفاني الأدنى على الباقي المستمرِّ الأعلى؟

ولكن وجه الإشارة بالآية أنّ الوسائل والتّعلُّقات والمحبّة والإرادة تابعةٌ لغاياتها ومحبوبها ومرادها، فمن كانت غاية محبّته وإرادته منقطعةً انقطع تعلُّقه عند انقطاعها، وذهب عمله وسعيه واضمحلّ. ومن كان مطلوبه وغايته باقيًا دائمًا لا زوالَ له ولا فناء، ولا يضمحلُّ ولا يتلاشى٣ = دام تعلُّقه ونعيمه به بدوامه. فالوسائل تابعةٌ للغايات، والتّعلُّقات تابعةٌ لمتعلَّقاتها، والمحبّة تابعةٌ للمحبوب، فليس المحبوب الذي يتلاشى ويضمحلُّ ويفنى كالمحبوب الذي كلُّ شيءٍ هالكٌ إلّا وجهه، فالمحبُّ باقٍ

  1. (١) «المنازل» (ص ١٠٥).
  2. (٢) ت: «والذلة» هنا وفيما يأتي.
  3. (٣) زيد في ش، د فوق السطر: «بل» بخط مغاير، وهي زيادة يختل بها السياق.
351

ببقاء محبوبه، يَشْرُف بشرفه، ويعظُم خطَرُه بحسب محبوبه، ويستغني بغناه، ويقوى بقوّته، ويعزُّ بعزّته، ويعظُم شأنه في النُّفوس بخدمته وإرادته ومحبّته. تالله لولا حجاب الغفلة والعوائد والهوى والمخالفات لذاقَ القلب أعظمَ الألم بتعلُّقه بغير الحبيب الأوّل، وذاقَ أعظم اللّذّة والسُّرور بتعلُّقه به، فالله المستعان.

فصل

قال الشّيخ١: (البقاء: اسمٌ لما بقي قائمًا بعد فناء الشواهد وسقوطها).

في هذه العبارة تسامحٌ، وأرباب هذا الشأن هِمَمُهم المعاني، فهم يُسامحون في العبارات ما لا يسامح فيه غيرهم.

فالبقاء: هو الدّوام واستمرار الوجود، وهو نوعان: مقيّدٌ ومطلقٌ، فالمقيّد: البقاء إلى مدّةٍ، والمطلق: الدائم المستمرُّ لا إلى غايةٍ.

والبقاء أوضحُ من هذا الحدِّ الذي ذكره، ولكن لمَّا كان مراده البقاء الذي هو صفة العبد ومقامه، قال: (هو اسمٌ لما بقي بعد فناء الشواهد)، وهذا عامٌّ في سائر أنواع ما بقي العبد متَّصفًا به بعد فناء الأدلَّة والآثار التي دلَّتْه على الحقيقة.

و«الشّواهد» عنده هي الرُّسوم كلُّها، وربّما يراد بها معالم الشُّهود٢، وهو الذي عناه فيما تقدّم، فإذا جعلت الشّواهد هاهنا معالم الشُّهود كان المعنى: أنّ المعالم تُوصِل إلى الشُّهود، ويبقى الشُّهود قائمًا بعد فناء معالمه.

  1. (١) «المنازل» (ص ١٠٥).
  2. (٢) في هامش ت: «المشهود».
352

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي