مدارج السالكين

وحقيقة الأمر١ أنّ الحقّ سبحانه يُفنيهم عمّا سواه ويُبقيهم به، وما سواه هو المعالم والرُّسوم.

قال٢: (وهو على ثلاث درجاتٍ: بقاء المعلوم بعد سقوط العلم عينًا٣ لا علمًا، وبقاء المشهود بعد سقوط الشُّهود وجودًا لا نعتًا، وبقاء ما لم يزل حقًّا بإسقاط ما لم يكن مَحْوًا).

قلت: أمَّا بقاء المعلوم بعد سقوط العلم، فقد يظهر في بادئ الأمر امتناعه، إذ كونه معلومًا ــ مع سقوط العلم به ــ جمعٌ بين النقيضين، فكأنّه معلومٌ غير معلومٍ، فإنّ المعلوم لا يكون معلومًا إلّا بالعلم، فكيف يكون معلومًا مع سقوطه؟

وجواب هذا أنَّ هاهنا أمرين:

أحدهما: وجود صورة المعلوم في قلب العالم، وإدراكه لها، وشعوره بها.

والثاني: علمه بعلمه وشعوره، وهو أمرٌ وراء حضور تلك الصُّورة. وهذا في سائر المدارك، فقد يرى الرّائي الشيء ويسمعه ويَشَمُّه، ويغيب عن علمه وشعورِه بصفة نفسه التي هي إدراكه، فيغيب بمدركه عن إدراكه، وبمعلومه عن علمه به، وبمرئيِّه عن رؤيته.

فإن قلت: أوضِحْ لي هذا لينجلي فهمه.

  1. (١) ش، د: «وحقيقته الا».
  2. (٢) «المنازل» (ص ١٠٥).
  3. (٣) ر: «عيانا».
353

فاعلم أنّ هاهنا مُدْرَكًا معلومًا، وقوَّةً مُدرِكةً له إذا تعلَّقتْ به صار معلومًا مُدْرَكًا، فيتولَّد من بين الأمرين حالةٌ ثالثةٌ، تُسمّى الشُّعور والعلم والإدراك.

مثال ذلك: ما يدركه بحاسّة الذوق والشمِّ، فإنّه لابدَّ من وجود المُدْرَك المَذُوق المشموم، ولابدَّ من قوَّةٍ في الآلة والمحلِّ المخصوص تقابل المدرَك وتتعلَّق به، فيتولّد من بين الأمرين كيفيّة الشمِّ والذوق. وكذلك في الملموس والمسموع والمرئيِّ، فتمام الإدراك أن يحيط علمًا بهذه الأمور الثلاثة، فيشعُر بالمُدْرَك وبالقوَّة المدرِكة وبحالة الإدراك، فإذا استغرق القلب في شهود المعلوم غاب به عن شهود القوَّة التي بها يعلم وعن حالة العلم.

ومثَّل هذا برجلٍ أدرك بلمسه ما التذّ به أعظمَ لذّةٍ حصلت له، فاستغرقته تلك اللذَّة عمَّا سواها، فأسقطتْ شعورَه بها دون وجودها، ولهذا قال الشيخ: (بقاء المعلوم بعد سقوط العلم عينًا لا علمًا)، فعينًا حالٌ من البقاء لا من السُّقوط، أي بقاؤه وجودًا لا نعتًا، فإنّه في مرتبة العلم باقٍ نعتًا ووصفًا، وفي هذه المرتبة باقٍ وجودًا وعينًا لا علمًا مجرَّدًا.

وهذا وجهٌ ثانٍ في كلامه أنّه يبقى وجوده وعينه لا مجرّد العلم به، فالعلم به لم يُعدَم، ولكن انتقل العبد من وجود العلم إلى وجود المعلوم.

وكذلك قوله في الدرجة الثانية: (وبقاء المشهود بعد سقوط الشُّهود وجودًا لا نعتًا)، الشُّهود فوق العلم لأنّه علم عيانٍ، فينتقل من مجرّد الشُّهود إلى الوجود، فيبقى المشهود موجودًا له بعد أن كان مشهودًا، ومرتبة الوجود فوق مرتبة الشُّهود، فإنّ الوجود حصولٌ ذاتيٌّ، والشُّهود حصولٌ علميٌّ وإن كان فوق العلم.

354

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي