مدارج السالكين

لكن بين الخبر والعيان فرقٌ. وفي «المسند»١ مرفوعًا: «ليس المُخْبَر كالمعاين». ولهذا لمَّا أخبر الله موسى أنَّه قد فَتَن قومَه وأنَّ السامريَّ أضلَّهم، لم يحصل له من الغضب والكيفيّة وإلقاء الألواح ما حصل له عند مشاهدة ذلك.

إذا عُرِف٢ هذا فقوله: (التحقيق: تلخيص مصحوبك من الحقِّ)، هاهنا أربعة ألفاظٍ بتفسيرها يُفهَم مراده إن شاء الله.

أحدها: لفظ «التحقيق»، وهو تفعيلٌ من حقَّق الشّيء يحقِّقه تحقيقًا، فهو مصدرٌ فعلُه حقَّق الشّيء، أي أثبته وخلَّصه من غيره.

الثّانية: لفظ «التلخيص»، ومعناها: تخليص الشّيء من غيره، فخلَّصه ولخَّصه يشتركان لفظًا ومعنًى، وإن كان «التّلخيص» أغلب على ما في الذِّهن، والتّخليص أغلب على ما في الخارج. فالتلخيص: تخليص الشّيء في الذِّهن بحيث لا يدخل فيه غيره، والتخليص: إفراده في الخارج عن غيره.

الثّالثة: «المصحوب»، وهو ما يصحب الإنسان في قصده ومعرفته من معلومٍ ومرادٍ.

الرّابعة: «الحقُّ»، وهو الله سبحانه، وما كان مُوصِلًا إليه مُدْنِيًا للعبد من رضاه.

  1. (١) رقم (١٨٤٢، ٢٤٤٧) من حديث ابن عباس ﵄، ولفظه: «ليس الخبر كالمعاينة». وأخرجه أيضًا البزار (٥٠٦٢، ٥٠٦٣). وصححه ابن حبان (٦٢١٣، ٦٢١٤)، والحاكم (٢/ ٣٢١).
  2. (٢) ت: «عرفت».
358

إذا عُرِف هذا، فالمصحوب للعبد من الحقِّ هو معرفته ومحبّته وإرادة وجهه، وما يستعين به على الوصول إليه، وما هو محتاجٌ إليه في سلوكه. فتحقيق ذلك هو تخليصه من المُفسِدات القاطعة عنه، الحائلة بين القلب وبين الوصول إليه، وتحصينه من المخالطات، وتجريده من المُشَوِّشات، فإنَّ تلك قواطعُ له عن مصحوبه الحقِّ، وهي نوعان لا ثالث لهما: عوارضُ محبوبةٌ، وعوارضُ مكروهةٌ.

فصاحبُ مقامِ التحقيق لا يقف مع العوارض المحبوبة، فإنّها تقطعه عن مصحوبه ومطلوبه، ولا مع العوارض المكروهة، فإنّها قواطعُ أيضًا، ويتغافل عنها ما أمكنه، فإنّها تمرُّ بالمكاسرة والتغافل مرًّا سريعًا، ولا يوسِّع دوائرها، فإنّه كلمّا وسَّعها اتَّسعَتْ، ووجدت مجالًا فسيحًا فصالَتْ فيه وجالَتْ، ولو ضيَّقَها بالإعراض والتّغافل لاضمحلَّتْ وتلاشَتْ. فصاحبُ مقام التّحقيق ينساها وَيطمِسُ آثارها، ويعلم أنّها جاءت بحكم المقادير في دار المِحَن والآفات.

قال لي شيخ الإسلام مرَّةً: العوارض والمِحَن هي كالحرِّ والبرد، فإذا علم العبد أنّه لابدَّ منهما لم يغضَبْ لورودهما، ولم يغتمَّ لذلك ولم يحزن١ له.

فإذا صبر العبد على هذه العوارض ولم ينقطع بها رُجِيَ له أن يصل إلى مقام التحقيق، فيبقى مع مصحوبه الحقِّ وحده، فتتهذَّب نفسُه، وتطمئنُّ مع

  1. (١) ش، د: «ولم يحرز».
359

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي