مدارج السالكين

هذا الانقسام ضروريٌّ بحسب انقسامهم في معرفة الحقِّ والعمل به إلى عالمٍ به عاملٍ بموجَبه وهم أهل النِّعمة، وعالمٍ به معاندٍ له وهم أهل الغضب، وجاهلٍ به وهم الضّالُّون. وهذا الانقسام١ إنّما نشأ بعد إرسال الرُّسل، فلولا الرُّسلُ لكانوا أمّةً واحدةً. فانقسامُهم إلى هذه الأقسام مستحيلٌ بدون الرِّسالة، وهذا الانقسام ضروريٌّ بحسب الواقع، فالرِّسالةُ ضروريّةٌ.

وقد تبيَّن لك بهذه الطّريق وبالتي قبلها تضمُّنُها٢ للرّدِّ على من أنكر المعاد الجسمانيّ وقيامة الأبدان، وعرفتَ اقتضاءها ضرورةً لثبوت الثّواب والعقاب والأمر والنّهي. وهو الحقُّ الذي خُلِقت به وله السّماوات والأرض والدُّنيا والآخرة، وهو مقتضى الخلق والأمر، ونفيُه نفيٌ لهما.

فصل

وإذا٣ ثبتت النُّبوّات والرِّسالة ثبتت صفة التّكلُّم والتّكليم. فإنَّ حقيقة الرِّسالة تبليغ كلام المرسل، فإذا لم يكن ثَمَّ٤ كلامٌ فماذا يبلِّغ الرّسول! بل كيف يُعقَل كونُه رسولًا! ولهذا قال غير واحدٍ من السّلف: من أنكر أن يكون الله متكلِّمًا وأن يكون القرآن كلامه، فقد أنكر رسالة محمّدٍ ﷺ، بل ورسالةَ جميعِ الرُّسل التي حقيقتُها تبليغُ كلام الرَّبِّ ﵎٥. ولهذا قال منكرو رسالته ﷺ عن القرآن: ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ٢٤ إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ البَشَرِ﴾

  1. (١) العبارة: "ضروري ... الانقسام" ساقطة من ش لانتقال النظر.
  2. (٢) ع: "بيان تضمنها"، وهو خطأ.
  3. (٣) ع: "إذا" دون الواو قبلها.
  4. (٤) ع: "ثمة".
  5. (٥) تقدَّم في (ص ٤٠).
110

[المدثر: ٢٤]. وإنّما عنَوا القرآنَ المسموعَ الذي بُلِّغوه وأُنذِروا به. فمن قال: إنّ الله لم يتكلَّم به، فقد ضاهى قولُه قولَهم، تعالى الله عمّا يقول الظّالمون علوًّا كبيرًا.

فصل

في بيان تضمُّنها للرّدِّ على من قال بقِدَم العالم

وذلك من وجوهٍ:

أحدها: إثبات حمده. فإنّه يقتضي ثبوت أفعاله لاسيَّما وعامَّةُ موارد الحمد في القرآن أو كلُّها إنّما هي على الأفعال. وكذلك هو هاهنا، فإنّه حمِد نفسَه على ربوبيّته المتضمِّنة لأفعاله الاختياريّة. ومن المستحيل مقارنة الفعل لفاعله. هذا ممتنعٌ في كلِّ عقلٍ سليمٍ وفطرةٍ مستقيمةٍ، فالفعل متأخِّرٌ عن فاعله بالضَّرورة. وأيضًا فإنّه متعلَّق الإرادة والتّأثير والقدرة، ولا يكون متعلَّقها قديمًا البتّة.

الثّاني: إثباتُ ربوبيّته للعالمين. وتقريره ما ذكرنا١. والعالَمُ كلُّ ما سواه، فثبت أنَّ كلَّ ما سواه مربوبٌ، والمربوبُ مخلوقٌ بالضّرورة، وكلُّ مخلوقٍ حادثٌ بعد أن لم يكن. فإذن ربوبيّتُه تعالى لكلِّ ما سواه تستلزم تقدُّمَه عليه، وحدوثَ المربوب. ولا يتصوَّر أن يكون العالم قديمًا وهو مربوبٌ أبدًا، فإنَّ القديمَ مستغنٍ بأزليّته عن فاعلٍ له. وكلُّ مربوبٍ فهو فقيرٌ بالذّات، فلا شيء من المربوب بغنيٍّ ولا قديم.

الثّالث: إثبات توحيده. فإنّه يقتضي عدم مشاركة شيءٍ من العالم له في

  1. (١) ع: "ذكرناه".
111

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي