مدارج السالكين

الله، وتنفطم عن عوائد السُّوء، حتّى تَغْمُر١ محبّة الله قلبَه وروحَه، وتتعوَّد جوارحه متابعةَ الأوامر، فيحسُّ حينئذٍ قلبه بأثر معيّة الله معه وتولِّيه له، فيبقى في حركاته وسكناته بالله لا بنفسه، وترِدُ على قلبه التعريفات الإلهيّة، وذلك إنّما يكون في منزل٢ البقاء بعد الفناء، والظّفر بالمحبّة الخاصّة، ومشهدِ الإلهيّة والقيُّوميّة والفردانيّة، فإنَّ على هذه المشاهد الثّلاث مدارَ المعرفة والوصول.

والمقصود: أنَّ صاحب مقام «التحقيق» يعرف الحقّ، ويُميِّز بينه وبين الباطل، فيتمسَّك بالحقِّ ويُلغِي الباطل، فهذه رتبةٌ. ثمّ يتبيَّن له أنَّ ذلك ليس به، بل بالله وحده؛ فيتبرأ حينئذٍ من حوله وقوّته، ويعلم أنّ ذلك بالحقِّ. ثمّ يتمكّن في ذلك المقام، ويرسخ فيه قلبه، فيصير تحقيقه بالله وفي الله.

ففي الأوّل: تخلَّص له مطلوبه من غيره، وتجرَّد له من سواه.

وفي الثّاني: تخلَّص له إضافتُه إلى غيره، وأن يكون بسواه سبحانه.

وفي الثّالث: تجرَّد له شهوده وقصودُه وإرادته، بحيث صارت في مطلوبه.

فالأوّل: سفرٌ إلى الله، والثاني: سفرٌ بالله، والثالث: سفرٌ في الله.

وإن أشكل عليك معنى السفر فيه والفرق بينه وبين السفر إليه= ففرِّقْ بين حال العابد الزاهد السائر إلى الله ولم يُفتَح له في الأسماء والصِّفات والمعرفة الخاصّة والمحبة الخاصّة، وبين حال العارف الذي قد كُشِف له

  1. (١) ت: «تعم».
  2. (٢) ت: «منزلين».
360

من معرفة الأسماء والصِّفات والفقه فيها ما حُجِب عن غيره.

قوله١: (أمّا الدّرجة الأولى ــ وهي تلخيص مصحوبك من الحقِّ ــ: فأن لا يخالج علمُك علمَه).

يعني: أنّك كنتَ تنسبُ العلمَ إلى نفسك قبل وصولك إلى مقام التّحقيق، ففي حالة التّحقيق تعود فتنسبُه إلى معلِّمه ومعطيه الحقِّ. ولعلّ هذا معنى قول الرُّسل ــ صلوات الله وسلامه عليهم ــ إذا جمعهم الرّبُّ تعالى وقال: ﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا﴾ [المائدة: ١٠٩]. قيل: قالوه تأدبًا معه سبحانه، إذ ردُّوا العلم إليه. وقيل: معناه لا علم لنا بحقيقة الباطن، وإنّما أجابنا من أجابنا ظاهرًا، والباطن غيبٌ، وأنت علّام الغيوب.

والتّحقيق ــ إن شاء الله ــ: أنّ علومهم تلاشَتْ في علمه سبحانه واضمحلَّتْ، فكانت بالنِّسبة إليه كلا علمٍ، فردُّوا العلم كلَّه إلى وليِّه وأهله ومن هو أولى به، فعلومهم وعلوم الخلائق جميعهم في جنب علمه كنَقْرة عصفورٍ من بحار العالم.

و«المخالجة» المنازعة.

قوله٢: (وأمّا الدّرجة الثّانية: فأن لا يُنازِع شهودُك شهودَه).

هذا قريبٌ من المعنى الأوّل، والمعنى: أنّ الشُّهود الذي كنت تنسبُه إلى نفسك قبل الفناء تصير بعدَه تنسبُه إليه تعالى، لا إليك.

  1. (١) «المنازل» (ص ١٠٥).
  2. (٢) «المنازل» (ص ١٠٥).
361

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي