مدارج السالكين

قوله١: (الدّرجة الثّالثة: أن لا يُناسِمَ رسمُك سبْقَه).

الرّسم هو الشخص عندهم، وهو محدثٌ مخلوقٌ، والرّبُّ تعالى هو القديم الخالق، فإذا تحقَّق العبد بالحقيقة شهد الحقَّ وحده منفردًا عن خلقه، فلم يُناسِم رسمُه سبْقَ الحقِّ وأوّليّته. والمناسمة كالمُشَامَّة، يقال: ناسَمَه، أي شَامَّه، فاستعار الشّيخ اللّفظة لأدنى المقاربة والملابسة، أي لا يداني رسمُك سبْقَه، ولو بأدنى مناسمةٍ، بل تشهد الحقَّ وحدَه منفردًا عن كلِّ ما سواه.

وهم يشيرون بذلك إلى أمرٍ، وهو أنّ الله سبحانه كان ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان.

فأمَّا اللّفظ الأوَّل وهو «كان الله ولا شيء معه» فهذا قد رُوي في «الصحيح»٢ في بعض ألفاظ حديث عمران بن حصينٍ، وإن كان اللفظ الثابت: «كان الله ولم يكن شيءٌ قبله»٣، وهو المطابق لقوله في الحديث الآخر الصحيح: «أنت الأوّل فليس قبلك شيءٌ»٤، ولم يقل: فليس معك شيءٌ.

وأمّا قوله: «وهو الآن على ما عليه كان» فزيادةٌ في الحديث ليست منه، بل زادها بعض المتحذلقين، وهي باطلةٌ قطعًا٥، فإنّ الله مع خلقه بالعلم

  1. (١) المصدر نفسه.
  2. (٢) البخاري (٣١٩١) بلفظ: «ولم يكن شيء غيره»، وهو بمعناه. انظر: «فتح الباري» (٦/ ٢٨٩).
  3. (٣) البخاري (٧٤١٨).
  4. (٤) رواه مسلم (٢٧١٣) من حديث أبي هريرة ﵁.
  5. (٥) نبَّه عليه شيخ الإسلام في مواضع، انظر: «مجموع الفتاوى» (٢/ ٢٧٢ وما بعدها، ١٨/ ٢٢١)، و«جامع المسائل» (٤/ ٣٩٧)، و«الصفدية» (٢/ ٢٢٣)، وغيرها.
362

والتدبير والقدرة، ومع أوليائه بالحفظ والكلاءة والنُّصرة، وهم معه بالموافقة والمحبّة، وصارت هذه اللّفظة مِجَنًّا وتُرْسًا للملاحدة من الاتِّحاديّة، فقالوا: إنّه لا وجودَ سوى وجوده أزلًا وأبدًا وحالًا، فليس في الوجود إلّا الله وحده، وكلُّ ما تراه وتلمسه وتذوقه وتشمُّه وتباشره فهو حقيقةً الله.

وأمَّا أهل التوحيد فقد يُطلقون هذه اللفظة ويريدون بها معنًى صحيحًا، وهو أنّ الله سبحانه لم يزل منفردًا بنفسه عن خلقه، ليس مخالطًا لهم، ولا حالًّا فيهم، ولا مُمازِجًا لهم، بل هو بائنٌ عنهم بذاته وصفاته.

وأمَّا الشيخ وأرباب الفناء فقد يَعنُون معنًى أخصَّ من ذلك، وهو المشار إليه بقوله: (أن لا يُناسِمَ رسمُك سبْقَه)، أي لا ترى أنّك معه بل تراه وحده، ولهذا قال١: (فتسقطُ الشّهادات، وتبطُلُ العبارات، وتَفنى الإشارات)، يعني: أنّك إذا لم تشهد معه غيره، وأسقطتَ الغير من الشُّهود لا من الوجود، بخلاف ما يقول الملحد الاتِّحاديُّ: إنّك تُسقِط الغيرَ شهودًا ووجودًا= سقطت الشهاداتُ والعبارات والإشارات؛ لأنّها صفات العبد المُحدَث المخلوق، والفناءُ يوجب إسقاطها.

والمعنى: أنَّ الواصل إلى هذا المقام لا يرى مع الحقِّ سواه، فيمحو السِّوى في شهوده. وعند الملحد يمحوه من الوجود. والله الموفِّق.

  1. (١) «المنازل» (ص ١٠٥).
363

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي