مدارج السالكين

والتدبير والقدرة، ومع أوليائه بالحفظ والكلاءة والنُّصرة، وهم معه بالموافقة والمحبّة، وصارت هذه اللّفظة مِجَنًّا وتُرْسًا للملاحدة من الاتِّحاديّة، فقالوا: إنّه لا وجودَ سوى وجوده أزلًا وأبدًا وحالًا، فليس في الوجود إلّا الله وحده، وكلُّ ما تراه وتلمسه وتذوقه وتشمُّه وتباشره فهو حقيقةً الله.

وأمَّا أهل التوحيد فقد يُطلقون هذه اللفظة ويريدون بها معنًى صحيحًا، وهو أنّ الله سبحانه لم يزل منفردًا بنفسه عن خلقه، ليس مخالطًا لهم، ولا حالًّا فيهم، ولا مُمازِجًا لهم، بل هو بائنٌ عنهم بذاته وصفاته.

وأمَّا الشيخ وأرباب الفناء فقد يَعنُون معنًى أخصَّ من ذلك، وهو المشار إليه بقوله: (أن لا يُناسِمَ رسمُك سبْقَه)، أي لا ترى أنّك معه بل تراه وحده، ولهذا قال١: (فتسقطُ الشّهادات، وتبطُلُ العبارات، وتَفنى الإشارات)، يعني: أنّك إذا لم تشهد معه غيره، وأسقطتَ الغير من الشُّهود لا من الوجود، بخلاف ما يقول الملحد الاتِّحاديُّ: إنّك تُسقِط الغيرَ شهودًا ووجودًا= سقطت الشهاداتُ والعبارات والإشارات؛ لأنّها صفات العبد المُحدَث المخلوق، والفناءُ يوجب إسقاطها.

والمعنى: أنَّ الواصل إلى هذا المقام لا يرى مع الحقِّ سواه، فيمحو السِّوى في شهوده. وعند الملحد يمحوه من الوجود. والله الموفِّق.

  1. (١) «المنازل» (ص ١٠٥).
363

فصل

قال١: (باب التلبيس. قال الله تعالى: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩]).

ليته ﵀ لم يستشهد بهذه الآية في هذا الباب، فإنّ الاستشهاد بها على مقصوده أبعدُ شاهدٍ عليه، وأبطلُه شهادةً. وليتَه لم يُسمِّ هذا الباب بالتّلبيس، واختار له اسمًا أحسنَ منه موقعًا٢.

فأمّا الآية: فإنّ معناها غير ما عقد له الباب من كلِّ وجهٍ، فإنّ المشركين قالوا تعنُّتًا في كفرهم: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ٨]، يَعْنُون: ملَكًا نشاهده ونراه، نشهد له ونصدِّقه، وإلّا فالملك كان ينزل عليه بالوحي من الله. فأجاب الله تعالى عن هذا، وبيَّن الحكمة في عدم إنزال الملك على الوجه الذي اقترحوه بأنّه لو أنزل ملَكًا كما اقترحوا، ولم يؤمنوا به ويصدِّقوه= لعُوجِلوا بالعذاب، كما استمرَّتْ به سنَّته تعالى مع الكفار في آيات الاقتراح إذا جاءتهم ولم يؤمنوا، فقال: ﴿مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ﴾ [الأنعام: ٨]. ثمّ بيّن سبحانه أنّه لو أنزل ملكًا كما اقترحوا لما حصل به مقصودُهم؛ لأنّه إن أنزله في صورته لم يَقدِروا على التلقِّي عنه، إذ البشر لا يقدر على مخاطبة الملك ومباشرته. وقد كان رسول الله ﷺ ــ وهو أقوى الخلق ــ إذا نزل عليه الملَكُ كرب لذلك، وأخذتْه البُرَحَاء، وتحدّر منه العَرَق في اليوم الشّاتي. وإن

  1. (١) المصدر نفسه (ص ١٠٦).
  2. (٢) في ت تعليق بإزائه: «كأن يسميه بباب التورية».
364

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي