جعله في صورة رجلٍ حصل لهم لبسٌ؛ هل هو ملكٌ أم رجلٌ؟ فقال: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾ أي في صورة رجلٍ ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ﴾ في هذه الحال ﴿مَا يَلْبِسُونَ﴾[الأنعام: ٩] على أنفسهم حينئذٍ، فإنّهم يقولون إذا رأوا الملَكَ في صورة الإنسان: هذا إنسانٌ، وليس بملكٍ. فهذا معنى الآية، فأين تجده ممّا عُقِد له الباب؟
فصل
قال١: (التلبيس: توريةٌ بشاهدٍ معارٍ عن موجودٍ قائمٍ).
لمَّا كانت التَّورية إظهار خلاف المراد، بأن يذكر شيئًا يُوهِم أنّه مراده، وليس هو بمراده، بل وَرَّى بالمذكور عن المراد= فسَّر التلبيس بها، وفي الحديث: «كان رسول الله ﷺ إذا أراد غزوةً وَرَّى بغيرها»٢. مثاله: أن يريد غزو خيبر فيقول للنّاس: كيف بطريقِ٣ نجدٍ وما بها من المياه؟ ونحو ذلك.
فهاهنا شيئان: أمر سَتَره المورِّي الملبِّس، وأمر ستر به ما ورّى عنه، فأشار المصنِّف إلى الأمرين بقوله: (تورية بشاهدٍ معارٍ عن موجودٍ قائمٍ). فأمّا التّورية فقد عرفتها، وأمّا الشاهد فهو الذي تُورِّي به عن مرادك وتستشهد به، والشاهد المعار هو الذي استُعِير لغيره ليشهد له، فهو شاهدٌ استعير لمشهودٍ قائمٍ. فالتورية: أن تذكر ما يحتمل معنيين، ومقصودك خلاف الذي
(١) «المنازل» (ص ١٠٦).
(٢) رواه البخاري (٢٩٤٧)، ومسلم (٢٧٦٩) من حديث كعب بن مالك ﵁.
قال الشّيخ٢: (وهو اسمٌ لثلاث معانٍ، أوّلها: تلبيس الحقِّ بالكون على أهل التّفرقة، وهو تعليقه الكوائنَ بالأسبابِ والأماكنِ والأحايينِ، وتعليقه المعارفَ بالوسائط، والقضايا بالحجج، والأحكام بالعلل، والانتقام بالجنايات، والمثوبة بالطاعات، وأخفى الرِّضا والسُّخط اللَّذَين يوجبان الفصل والوصل، ويُظهِران السعادة والشقاوة).
شيخ الإسلام ﵀ حبيبنا، والحقُّ أحبُّ إلينا منه، وكان شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: عمله خيرٌ من علمه. وصدق ﵀، فسيرته في الأمرِ بالمعروف والنهي عن المنكر وجهادِ أهل البدع لا يُشَقُّ له فيها غبارٌ، وله المقامات المشهورة في نَصْر الله ورسوله، وأبى الله أن يكسوَ ثوب العصمة لغير الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى. وأخطأ ﵀ في هذا الباب لفظًا ومعنًى.
أمّا اللفظة: فتسميتُه فعْلَ الله الذي هو حقٌّ وصوابٌ وحكمةٌ، وحكْمَه الذي هو عدلٌ وإحسانٌ، وأمْرَه الذي هو دينه وشرعه= «تلبيسًا». فمعاذَ الله ثمَّ معاذ الله من هذه التسمية! ومعاذَ الله من الرِّضا بها، والإقرار عليها، والذبِّ عنها، والانتصار لها. ونحن نشهد بالله أن هذا تلبيسٌ على شيخ الإسلام،