وحواسِّها، من السمع والبصر والشمِّ والذوق واللّمس، فهو سبحانه الخالق لتلك الإدراكات مقارنةً لهذه الحواسِّ وعندها، لا بها ولا بقوًى مُودَعةٍ١ فيها، وهو سبحانه قادرٌ على خلق هذه المعارف بغير هذه الوسائط، فحَجَب أهلَ التفرقة بهذه الوسائط عن الفعَّال سبحانه حقيقةً، الذي لا فعْلَ في الحقيقة إلّا له، فكأنّه لبَّس على أهل التفرقة، أي أضلَّهم بشهودهم الأسباب، وغيبتهم بها عنه.
وكذلك القضايا ــ وهي الوقائع بين العباد ــ علَّقها بالحجج الموجبة لها، فكلُّ قضاءٍ وحكمٍ لابدَّ له من حجّةٍ يستند إليها، فيحجُبُ صاحبَ التفرقة بتلك الحجّة عن المصدر الأوّل الذي منه ابتداء كلِّ شيءٍ، ويقف مع الحجّة، ولا ينظر إلى من حكمَ بها، وجعلها مظهرًا لنفوذ حكمه وقضائه.
وكذلك تعليقه الأحكامَ بالعلل، وهي المعاني والمناسبات والحِكَم والمصالح التي لأجلها ثبتت الأحكام، وهو سبحانه واضعُ تلك المعاني، ومضيفُ الأحكام إليها، وإنّما هي في الحقيقة مضافةٌ إليه٢ سبحانه.
وكذلك ترتيبه الانتقامَ على الجنايات، وربطُه الثوابَ بالطاعات، كلُّ ذلك مضافٌ إليه وحدَه، لا إلى الجنايات ولا إلى الطاعات، فإضافة ذلك إليها تلبيسٌ على أهل التفرقة.
وموضع التّلبيس في ذلك كلِّه أنّ أهل التّفرقة يظنُّون أنّه لولا تلك الوسائط لما وُجِدتْ معرفةٌ، ولا وقعتْ قضيّةٌ، ولا حكمٌ ولا ثوابٌ، ولا
(١) ت: «موجودة».
(٢) ت: «إلى الله».
عقابٌ ولا انتقامٌ. وهذا تلبيسٌ عليهم، فإنّ هذه الأمور إنّما أوجبها محضُ مشيئة الله، الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فانطوى حكم تلك الوسائط والأسباب والعلل في بساط المشيئة الأزليّة، واضمحلَّتْ في عين الحكم الأزليِّ، وصارت من جملة الكائنات التي هي منفعلةٌ لا فاعلةٌ، ومطيعةٌ لا مطاعةٌ، ومأمورةٌ لا آمرةٌ، وخَلْقٌ من خلْقِه، لا واسطةَ بينه وبين خلقه، فهي به لا بهم. ولهذا عاذَ العارفون به منه، وهربوا منه إليه، والتجأوا منه إليه، وفرُّوا منه إليه، وتوكّلوا به عليه، وخافوا بما منه لا من غيره. فشهدوا أوّليَّتَه في كلِّ شيءٍ، وتفرُّدَه في الصُّنع١، وأنّه ما ثَمَّ ما يُوجِب شيئًا من الأشياء إلّا مشيئتُه وحده، فمشيئته هي السّبب في الحقيقة، وما يُشاهَد ويُعلَم من الأسباب فمحلٌّ ومجرًى٢ لنفوذ المشيئة، لا أنّه مؤثِّرٌ وفاعلٌ، فالوسائط لابدَّ أن تنتهي إلى أوّلٍ، لامتناع التسلسل، ولهذا قال النّبيُّ ﷺ: «فمَن أَعدَى الأوّلَ؟»٣.
والله سبحانه قدَّر المقادير، وكتبَ الآثار والأعمال، والشّقاوةَ والسّعادة، والثّواب والعقاب، حيث لا واسطةَ هناك ولا سببَ ولا علّة، فأهل التّفرقة وقفوا مع الوسائط، وأهل الجَمْع نفَذَ بصَرُهم من الوسائط والأسباب إلى مَن أقامها وربطَ بها أحكامها.
قوله: (وأخفى الرِّضا والسُّخط اللّذين يوجبانِ الوصل والفصل)، يعني: أنّه سبحانه أخفى عن عباده ما سبقَ لهم عنده من سخطه عمَّن سخِطَ عليه،
(١) ت: «بالصنع».
(٢) ت: «مجرد».
(٣) أخرجه البخاري (٥٧١٧)، ومسلم (٢٢٢٠) من حديث أبي هريرة ﵁.