مدارج السالكين

عقابٌ ولا انتقامٌ. وهذا تلبيسٌ عليهم، فإنّ هذه الأمور إنّما أوجبها محضُ مشيئة الله، الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فانطوى حكم تلك الوسائط والأسباب والعلل في بساط المشيئة الأزليّة، واضمحلَّتْ في عين الحكم الأزليِّ، وصارت من جملة الكائنات التي هي منفعلةٌ لا فاعلةٌ، ومطيعةٌ لا مطاعةٌ، ومأمورةٌ لا آمرةٌ، وخَلْقٌ من خلْقِه، لا واسطةَ بينه وبين خلقه، فهي به لا بهم. ولهذا عاذَ العارفون به منه، وهربوا منه إليه، والتجأوا منه إليه، وفرُّوا منه إليه، وتوكّلوا به عليه، وخافوا بما منه لا من غيره. فشهدوا أوّليَّتَه في كلِّ شيءٍ، وتفرُّدَه في الصُّنع١، وأنّه ما ثَمَّ ما يُوجِب شيئًا من الأشياء إلّا مشيئتُه وحده، فمشيئته هي السّبب في الحقيقة، وما يُشاهَد ويُعلَم من الأسباب فمحلٌّ ومجرًى٢ لنفوذ المشيئة، لا أنّه مؤثِّرٌ وفاعلٌ، فالوسائط لابدَّ أن تنتهي إلى أوّلٍ، لامتناع التسلسل، ولهذا قال النّبيُّ ﷺ: «فمَن أَعدَى الأوّلَ؟»٣.

والله سبحانه قدَّر المقادير، وكتبَ الآثار والأعمال، والشّقاوةَ والسّعادة، والثّواب والعقاب، حيث لا واسطةَ هناك ولا سببَ ولا علّة، فأهل التّفرقة وقفوا مع الوسائط، وأهل الجَمْع نفَذَ بصَرُهم من الوسائط والأسباب إلى مَن أقامها وربطَ بها أحكامها.

قوله: (وأخفى الرِّضا والسُّخط اللّذين يوجبانِ الوصل والفصل)، يعني: أنّه سبحانه أخفى عن عباده ما سبقَ لهم عنده من سخطه عمَّن سخِطَ عليه،

  1. (١) ت: «بالصنع».
  2. (٢) ت: «مجرد».
  3. (٣) أخرجه البخاري (٥٧١٧)، ومسلم (٢٢٢٠) من حديث أبي هريرة ﵁.
369

ورِضاه عمّن رضي عنه، الموجبينِ لوصل من وصله، وقطْعِ من قطعه.

ومراده: أنّ هذا هو السبب الصحيح في نفس الأمر، وهو رضاه وسخطه، وإنّما لبّس سبحانه على أهل التّفرقة الأمرَ بما ذكره من الجنايات والطّاعات، والعلل والحجج، ولا سببَ في الحقيقة إلّا رضاه وسخطه، وذلك لا علّة له، فالرِّضا هو الذي أوجب المثوبة لا الطّاعة، والسُّخط هو الذي أوجب العقوبة لا المعصية، والمشيئة هي التي أوجبت الحكم لا الوسائط، فأخفى الرّبُّ سبحانه ذلك عن خلقه، وأظهر لهم أسبابًا أُخر علّقوا١ بها الأحكام، وذلك تلبيسٌ من الحقِّ عليهم. فأهل التّفرقة وقفوا مع هذا التّلبيس، وأهل الجمع صعدوا عنه، وجاوزوه إلى مصدرِ الأشياء كلِّها ومُوجدِها بمشيئته فقط.

وبالغ الشيخ في ذلك حتّى جعل الرِّضا والسُّخط يُظهِران السعادة والشقاوة، ولم يجعل الرِّضا والسُّخط مؤثِّرينِ فيهما، وذلك لأنّ السّعادة والشّقاوة سبقت عنده سبقًا محضًا مستندًا إلى محض المشيئة لا علّةً لهما، والرِّضا والسُّخط أظهرا ما سبقَ به التقدير من السعادة والشقاوة. فهذا أحسنُ ما يقال في شرح كلامه وتقريره وحَمْلِه على أحسن الوجوه وأجملها.

فأمّا ما فيه من التوحيد وانتهاء الأمور إلى مشيئة الربِّ ﷻ، وأنّه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن= فذلك عقد نظام الإيمان، ومع ذلك فلا يكفي وحده، إذ غايته تحقيق توحيد الرُّبوبيّة الذي لم يكن ينكره عُبَّاد الأصنام.

  1. (١) في هامش د: «كذا في الأصل، وفي الهامش: وعلق» صح.
370

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي