وصفاته، وبها عُرِفت ربوبيّته وإلهيّته، وملكه وصفاته وأسماؤه.
هذا، ولم يخلقها سبحانه حاجةً منه إليها، ولا توقُّفًا لكماله المقدّس عليها، فلم يتكثّر بها من قلّةٍ، ولم يتعزّز بها من ذلّةٍ، بل اقتضى كماله أن يفعل ما يشاء بما يشاء، ويأمر ويتصرّف ويدبِّر كما يشاء، وأن يُحمَد ويُعرف، ويُذكر ويُعبد، ويَعرِف الخلقُ صفاتِ كماله ونعوتَ جلاله، ولذلك خلق خلقًا يعصونه ويخالفون أمره، ليعرف ملائكتُه وأنبياؤه ورسله وأولياؤه كمالَ مغفرته وعفوه، وحلمه وإمهاله، ثمّ أقبل بقلوب من شاء١ منهم إليه، فظهر٢ كرمه في قبول توبته، وبرُّه ولطفُه في العود عليه بعد الإعراض عنه، كما قال النّبيُّ ﷺ: «لو لم تُذنِبوا لذهبَ الله بكم، ولجاء بقومٍ يُذنِبون ثمّ يستغفرون فيغفر لهم»٣. فلمن كانت تكون مغفرته لو لم يخلق الأسباب التي يغفر عنها ويغفر بها؟ والعبد الذي له يغفر؟ فخلْقُ العبد المغفور له، وتقديرُ الذّنب الذي يُغفَر، والتّوبة التي يُغفَر بها= هو نفس مقتضى العزّة والحكمة، وموجب الأسماء الحسنى والصِّفات العلا، ليس من التّلبيس في شيءٍ، فتعليق الكوائن بالأسباب كتعليق الثّواب والعقاب بالأسباب، ولهذا سوّى صاحب «المنازل» بين الأمرين، وهو محض الحكمة، وموجب الكمال الإلهيِّ، ومقتضى الحمد التّامِّ، ومظهر صفة العزّة والقدرة والملك. والشّرائع كلُّها ــ من أوّلها إلى آخرها ــ مبنيّةٌ على تعليق الأحكام بالعلل، والقضايا بالحجج، والثّواب بالطاعة، والعقوبات بالجرائم، فهل يقال: إنّ
ولعمر الله، لقد كان في غنيةٍ عن هذا الباب وعن هذه التّسمية، ولقد أفسد الكتاب بذلك.
هذا، ولا يُجهَل محلُّ الرجل من العلم والسُّنّة، وطريق السُّلوك وآفاته وعلله، ولكن قصْدَه تجريدَ توحيد الأفعال والرُّبوبيّة قاده إلى ذلك، وانضمَّ إليه اعتقادُه أنَّ الفناء في هذا التوحيد هو غاية السُّلوك ونهاية العارفين، وساعده اعتقادُ كثيرٍ من المنتسبين إلى السُّنَّة، الرادِّين على القدريَّة في الأسباب: أنها لا تأثير لها البتَّة، ولا فيها قوًى، ولا يفعل الله شيئًا بشيءٍ ولا شيئًا لشيءٍ، فينكرون أن يكون في أفعاله باءُ تسبيبٍ أو لام تعليلٍ، وما جاء من ذلك حملوا الباء فيه على المصاحبة، واللّام فيه على لام العاقبة، وقالوا: يفعل الله الإحراق والإغراق والإزهاق عند ملاقاة النار والماء والحديد، لا بها ولا بقوًى فيها، ولا فرق ــ في نفس الأمر ــ بينها وبين الهواء والتُّراب والخشب، وانضمَّ إلى ذلك أنَّ العبد ليس بفاعلٍ أصلًا، وإنّما هو منفعلٌ محضٌ، ومحلٌّ لجريانِ تصاريف الأحكام عليه، وأنّ الفاعل فيه سواه، والمحرِّك له غيره، وإذا قيل: إنّه فاعلٌ أو متحرِّكٌ فهو تلبيسٌ.
فهذه الأصول أوجبت هذا التّلبيسَ على نفاة الحكم والأسباب، وقابلهم آخرون، فمزّقوا لحومهم كلَّ ممزّقٍ، وفَرَوْا أديمَهم، وقالوا: عطّلتم١ الشّرائع والثّواب والعقاب، وأبطلتم حقيقة الأمر والنّهي، فإنّ٢