مدارج السالكين

الشّرائع كلّها تلبيسٌ، بأيِّ معنًى فُسِّر التلبيس؟

ولعمر الله، لقد كان في غنيةٍ عن هذا الباب وعن هذه التّسمية، ولقد أفسد الكتاب بذلك.

هذا، ولا يُجهَل محلُّ الرجل من العلم والسُّنّة، وطريق السُّلوك وآفاته وعلله، ولكن قصْدَه تجريدَ توحيد الأفعال والرُّبوبيّة قاده إلى ذلك، وانضمَّ إليه اعتقادُه أنَّ الفناء في هذا التوحيد هو غاية السُّلوك ونهاية العارفين، وساعده اعتقادُ كثيرٍ من المنتسبين إلى السُّنَّة، الرادِّين على القدريَّة في الأسباب: أنها لا تأثير لها البتَّة، ولا فيها قوًى، ولا يفعل الله شيئًا بشيءٍ ولا شيئًا لشيءٍ، فينكرون أن يكون في أفعاله باءُ تسبيبٍ أو لام تعليلٍ، وما جاء من ذلك حملوا الباء فيه على المصاحبة، واللّام فيه على لام العاقبة، وقالوا: يفعل الله الإحراق والإغراق والإزهاق عند ملاقاة النار والماء والحديد، لا بها ولا بقوًى فيها، ولا فرق ــ في نفس الأمر ــ بينها وبين الهواء والتُّراب والخشب، وانضمَّ إلى ذلك أنَّ العبد ليس بفاعلٍ أصلًا، وإنّما هو منفعلٌ محضٌ، ومحلٌّ لجريانِ تصاريف الأحكام عليه، وأنّ الفاعل فيه سواه، والمحرِّك له غيره، وإذا قيل: إنّه فاعلٌ أو متحرِّكٌ فهو تلبيسٌ.

فهذه الأصول أوجبت هذا التّلبيسَ على نفاة الحكم والأسباب، وقابلهم آخرون، فمزّقوا لحومهم كلَّ ممزّقٍ، وفَرَوْا أديمَهم، وقالوا: عطّلتم١ الشّرائع والثّواب والعقاب، وأبطلتم حقيقة الأمر والنّهي، فإنّ٢

  1. (١) ش: «أعطلتم».
  2. (٢) د: «فانه».
374

مبنى ذلك على أنّ العباد فاعلون حقيقةً، وأنّ أفعالهم منسوبةٌ إليهم على الحقيقة، وأنّ قُدَرهم وإراداتهم ودواعيهم مؤثِّرةٌ في أفعالهم، وأفعالهم واقعةٌ بحسب دواعيهم وإراداتهم، وعلى ذلك قامت الشّرائع والنُّبوّات، والثّواب والعقاب، والحدود والزّواجر، وفطرة الله التي فطر النّاس عليها والحيوان١.

وسوّيتم بين ما فرّق الله بينه، فإنّ الله سبحانه ما سوّى بين حركة المختار وحركة من حُرِّك قسرًا بغير إرادةٍ منه أبدًا، ولا سوّى بين حركات الأشجار وحركات بني آدم، ولا جعل الله سبحانه أفعال عباده وطاعاتهم ومعاصيهم أفعالًا له، بل نسبها إليهم حقيقةً، وأخبر أنّه هو الذي جعلهم فاعلين، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [السجدة: ٢٤]، وقال: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص: ٤١]. وقال سادات العارفين به: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨]، وقال إبراهيم خليله: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ﴾ [إبراهيم: ٤٠]. فهو الذي جعل العبد كذلك، والعبد هو الذي صلّى وصام وأسلم، وهو الفاعل حقيقةً بجَعْلِ الله له فاعلًا، وهو السائر بتسيير الله له، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ﴾ [يونس: ٢٢]، فهذا فعلُه والسَّيرُ فعلهم، والإقامة فعلُه والقيام فعلهم، والإنطاق فعلُه والنُّطق فعلهم، فكيف تُجعل نسبة الأفعال إلى محالِّها القائمة بها وأسبابِها المظهرة لها تلبيسًا؟

ومعلومٌ أنّ طيَّ بساطِ الأسباب والعلل تعطيلٌ للأمر والنّهي والشرائع والحكم، وأمّا الوقوف مع الأسباب واعتقاد تأثيرها فلا يُعلَم من أتباع الرُّسل

  1. (١) ت: «بل والحيوان».
375

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي