مدارج السالكين

من قال: إنّها مستقلّةٌ بأنفسها، حتّى يُحتاج إلى نفي هذا المذهب، وإنّما قالت طائفةٌ من النّاس ــ وهم القدريّة ــ: إنّ أفعال الحيوان خاصّةً غير مخلوقةٍ لله، ولا واقعة بمشيئته، وهؤلاء هم الذين أطبق الصّحابة والتّابعون وأئمّة الإسلام على ذمِّهم وتبديعهم وتضليلهم، وبيَّنَ أئمّة السُّنّة أنّهم أشباه المجوس، وأنّهم مخالفون للعقول والفِطَر ونصوص الوحي، فالتلبيس في الحقيقة حصل لهؤلاء، ولمنكري الأسباب والقوى والطبائع والحكم، ولُبِّس على الفريقين الحقُّ بالباطل.

والحقُّ ــ الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، وفطَرَ عليه عباده، وأودعَه في عقولهم ــ بين مذهب هؤلاء وهؤلاء، فالهدى بين الضلالتين، والاستقامة بين الانحرافين.

والمقصود: أنَّ القرآن بل وسائر كتب الله تضمَّنتْ تعليقَ الكوائن بالأسباب والأماكن والأحايين، وتعليقَ المعارف بالوسائط، والقضايا بالحجج والأحكام بالعلل، والانتقامَ بالجنايات، والمثوباتِ بالطاعات، فإن كان هذا تلبيسًا عاد الوحي والشرع والكتب الإلهيّة تلبيسًا.

نعم، التلبيس على من ظنَّ أنَّ ذلك التعليق على وجه الاستقلال، بقطع النظر عن مسبِّب الأسباب وناصِبِ الحكمِ والعلل، فإن كان مراده: أنّه لُبِّس الأمر على هؤلاء، ولم يهتدوا إلى الصواب= فأبعد الله من ينتصر لهم، ويَذُبُّ عنهم، فإنهم أضلُّ من الأنعام. وإن كان المراد: مَن أثبتَ الأسباب والحِكَم والعلل، وعلَّق بها ما علّقه الله بها من الحكم والشرع، وأنزلها بالمحلِّ الذي أنزلها الله به، ووضعها حيث وضعها= فقد لُبِّس عليه، فنحن نَدِين الله بذلك وإن سمِّي تلبيسًا، كما نَدِين الله بإثبات القدر وإن سمِّي جَبْرًا، ونَدِين بإثبات

376

الصِّفات وحقائق الأسماء وإن سُمِّي تجسيمًا، ونَدِين بإثبات علوِّ الله على عرشه فوق سماواته وإن سُمِّي تحيُّزًا وجهةً، ونَدين بإثبات وجهه الأعلى ويديه المبسوطتين وإن سُمِّي تركيبًا، وندين بحبِّ أصحاب رسوله جميعهم وموالاتهم وإن سُمِّي نَصْبًا، وندين بأنّه مكلِّمٌ متكلِّمٌ حقيقةً كلامًا يسمعه من خاطبه، وأنّه يُرى بالأبصار عيانًا حقيقةً يوم لقائه، وإن سُمِّي ذلك تشبيهًا.

ويا لله العجب! أليست الكوائن كلُّها متعلِّقةً بالأسباب؟ أوليس الرّبُّ تعالى كلَّ وقتٍ يسوق المقادير إلى المواقيت التي وقَّتها لها، ويظهرها بأسبابها التي سبَّبها لها، ويخُصُّها بمحالِّها من الأعيان والأمكنة والأزمنة التي عيّنها لها؟

أو ليس قد قدَّر المقادير، وسبَّب الأسباب التي تظهر بها، ووقَّتَ المواقيت التي تنتهي إليها، ونصَبَ العلل التي توجد لأجلها، وجعل للأسباب أسبابًا أخر تُعارضها وتدافعها؟ فهذه تقتضي آثارها، وهذه تمنعها اقتضاءها، وتطلب ضِدَّ ما تطلبه تلك.

أوليس قد رتّب الخلْقَ والأمر على ذلك، وجعله محلَّ الامتحان والابتلاء والعبوديّة؟ أوليس عمارة الدّارين ــ أعني الجنّة والنّار ــ بالأسباب والعلل والحكم؟ ولا حاجة بنا أن نقول: وهو خلق الأسباب ونصب العلل، فإنّ ذكر هذا من باب بيان الواضحات التي لا يجهلها إلّا أجهلُ خلق الله، وأقلُّهم نصيبًا من الإيمان والمعرفة.

أوليس القرآن من أوّله إلى آخره قد عُلِّقت أخبارُه وقصصُه عن الأنبياء وأممهم، وأوامره ونواهيه وزواجره، وثوابه وعقابه: بالأسباب والحكم والعلل؟ وعُلِّقت فيه المعارف بالوسائط، والقضايا بالحجج، والعقوبات

377

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي