مدارج السالكين

والمقصود: أنّ العبد يقوى إخلاصه لله، وصدقه ومعاملته له، حتّى لا يحبّ أن يطّلع أحدٌ من الخلق على حاله مع الله ومقامه معه، فهو يُخفِي أحوالَه غيرةً عليها من أن تَشُوبَها شائبة الأغيار، وأنفاسَه خوفًا عليها من المداخلة. وكان بعضهم إذا غلبه البكاء وعجَزَ عن دفعه قال: لا إله إلّا الله، ما أمرَّ الزُّكام١! فالصّادق إذا غلب عليه الوجد والحال، وهاج من قلبه لواعج الشّوق= أخلد إلى السُّكون ما أمكنه، فإن غُلِب أظهر ألمًا ووجعًا يستُر به حالَه مع الله، كما أظهر إبراهيم الخليل ﷺ لقومه أنّه سقيمٌ، حين أراد أن يفارقهم، ويرجع بذلك الوارد وتلك الحال إلى الآلهة الباطلة، فيجعلها جُذاذًا.

فالصّادقون يعملون في كتمان المعاني واجتناب الدّعاوي، فظواهرهم ظواهر النّاس، وقلوبهم مع الحقِّ تعالى، لا تلتفت عنه يَمْنةً ولا يَسْرةً، فهم في وادٍ، والنّاس في وادٍ.

فقوله: (تلبيس أهل الغيرة على الأوقات بإخفائها) يعني: أنّهم يَغَارون على الأوقات التي عمرتْ لهم بالله وصَفَتْ لهم أن يُظهِروها للنّاس، وإن اطَّلع غيرُهم عليها من غير قصدهم٢ لكشفها وإظهارها= لم يقدح ذلك في طريقهم، فلا يفزَعون إلى الجحد والإنكار وشكاية الحال، بل يَسَعُهم الإمساك عن الإظهار والجحد.

قوله: (وعلى الكرامات بكتمانها)، يعني: أنّهم يَغارون على كراماتهم أن

  1. (١) روي هذا عن أيوب السختياني، انظر: «الثقات» لابن حبان (٨/ ١٤٦)، و«صفة الصفوة» (٣/ ٢٩٥)، و«تلبيس إبليس» (ص ٢٢٨)، و«سير أعلام النبلاء» (٦/ ٢٠).
  2. (٢) ت: «قصد منهم».
379

يعلم بها الناس، فهم يُخفونها أبدًا غيرةً عليها، إلّا إذا كان في إظهارها مصلحةٌ راجحةٌ من حجّةٍ أو حاجةٍ، فلا يُظهِرونها إلّا لحجّةٍ على مبطلٍ، أو حاجةٍ تقتضي إظهارها.

قوله١: (والتلبيس بالمكاسب والأسباب، وتعليق الظاهر بالشواهد والمكاسب= تلبيسٌ على العيون الكليلة والعقول العليلة)، يعني: أنّ التلبيس المذكور إنّما يكون على أهل العيون الكليلة، أي أهل الإحساس الضعيف، والعقول العليلة هي المنحرفة التي لا تدرك الحقَّ لمرضٍ بها.

قوله٢: (مع تصحيح التحقيق عقدًا وسلوكًا ومعاينةً)، يعني: أنّ هذه الطّائفة يُلبِّسون على أهل العيون الكليلة أحوالَهم وكراماتِهم بستْرهم لها عنهم، مع كونهم قائمين بالتحقيق اعتقادًا وسلوكًا ومعاينةً، فهم معتقدون للحقِّ، سالكون الطريقَ المُوصِلة إلى المقصود، أهل مراقبةٍ وشهودٍ.

قوله٣: (وهذه الطائفة رحمةٌ من الله على أهل التّفرقة والأسباب في ملابستهم).

إنّما كانوا رحمةً من الله عليهم من وجهين:

أحدهما: أنّهم ذاكرون لله بين الغافلين، وهم في وسطهم، فيرحمهم الله بهم، فإنّهم القوم لا يَشْقَى بهم جليسُهم.

الثّاني: أنّهم لا يتركونهم في غَفَلاتهم، بل يقومون فيهم بالنصيحة لهم،

  1. (١) «المنازل» (ص ١٠٦).
  2. (٢) المصدر نفسه.
  3. (٣) المصدر نفسه.
380

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي