مدارج السالكين

يعلم بها الناس، فهم يُخفونها أبدًا غيرةً عليها، إلّا إذا كان في إظهارها مصلحةٌ راجحةٌ من حجّةٍ أو حاجةٍ، فلا يُظهِرونها إلّا لحجّةٍ على مبطلٍ، أو حاجةٍ تقتضي إظهارها.

قوله١: (والتلبيس بالمكاسب والأسباب، وتعليق الظاهر بالشواهد والمكاسب= تلبيسٌ على العيون الكليلة والعقول العليلة)، يعني: أنّ التلبيس المذكور إنّما يكون على أهل العيون الكليلة، أي أهل الإحساس الضعيف، والعقول العليلة هي المنحرفة التي لا تدرك الحقَّ لمرضٍ بها.

قوله٢: (مع تصحيح التحقيق عقدًا وسلوكًا ومعاينةً)، يعني: أنّ هذه الطّائفة يُلبِّسون على أهل العيون الكليلة أحوالَهم وكراماتِهم بستْرهم لها عنهم، مع كونهم قائمين بالتحقيق اعتقادًا وسلوكًا ومعاينةً، فهم معتقدون للحقِّ، سالكون الطريقَ المُوصِلة إلى المقصود، أهل مراقبةٍ وشهودٍ.

قوله٣: (وهذه الطائفة رحمةٌ من الله على أهل التّفرقة والأسباب في ملابستهم).

إنّما كانوا رحمةً من الله عليهم من وجهين:

أحدهما: أنّهم ذاكرون لله بين الغافلين، وهم في وسطهم، فيرحمهم الله بهم، فإنّهم القوم لا يَشْقَى بهم جليسُهم.

الثّاني: أنّهم لا يتركونهم في غَفَلاتهم، بل يقومون فيهم بالنصيحة لهم،

  1. (١) «المنازل» (ص ١٠٦).
  2. (٢) المصدر نفسه.
  3. (٣) المصدر نفسه.
380

والأمر لهم بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة لهم إلى الله، فيرحمون بهم، وينالون بهم سعادة الدُّنيا والآخرة، فهم يتصرَّفون مع الخلق بحكم العلم والشّرع، وأحوالُهم ومقاماتهم بينهم وبين الله خاصّةٌ.

قوله١: (التلبيس الثالث: تلبيس أهل التمكين٢ على العالَم، ترحُّمًا عليهم بملابسة الأسباب، وتوسيعًا على العالَم لا على أنفسهم، وهذه درجة الأنبياء، ثمّ هي للأئمّة الربّانيِّين، الصادرين عن وادي الجَمْع، المشيرين عن عينه).

هذا أيضًا من النّمط الأوّل، ممّا يُنكَر لفظُه وإطلاقه غايةَ الإنكار، ويجب على أهل الإيمان مَحْو٣ هذا اللّفظ القبيح وإطلاقه في حقِّ الأنبياء، وكيف تَسَعُ مسامع المؤمن ليسمع أنّ الأنبياء لَبَّسوا على الناس بأيِّ اعتبارٍ كان؟ سبحانك هذا بهتانٌ عظيمٌ! بل الرُّسل ــ صلوات الله وسلامه عليهم ــ كشفوا عن النّاس التّلبيس الذي لبّسوه على أنفسهم، ولبّسه عليهم طواغيتُهم، جاؤوا بالبيان والبرهان.

وكان النّاس في لَبْسٍ عظيمٍفجاؤوا بالبيان فأظهروه
وكان النّاس في جهلٍ شديدٍفجاؤوا باليقين فأذهبوه
وكان النّاس في كفرٍ عظيمٍفجاؤوا بالرّشاد فأبطلوه٤
  1. (١) المصدر نفسه (ص ١٠٧).
  2. (٢) في «المنازل»: «التمكن».
  3. (٣) ت: «هجر».
  4. (٤) يبدو أنها من كلام المؤلف.
381

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي