مدارج السالكين

والأمر لهم بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة لهم إلى الله، فيرحمون بهم، وينالون بهم سعادة الدُّنيا والآخرة، فهم يتصرَّفون مع الخلق بحكم العلم والشّرع، وأحوالُهم ومقاماتهم بينهم وبين الله خاصّةٌ.

قوله١: (التلبيس الثالث: تلبيس أهل التمكين٢ على العالَم، ترحُّمًا عليهم بملابسة الأسباب، وتوسيعًا على العالَم لا على أنفسهم، وهذه درجة الأنبياء، ثمّ هي للأئمّة الربّانيِّين، الصادرين عن وادي الجَمْع، المشيرين عن عينه).

هذا أيضًا من النّمط الأوّل، ممّا يُنكَر لفظُه وإطلاقه غايةَ الإنكار، ويجب على أهل الإيمان مَحْو٣ هذا اللّفظ القبيح وإطلاقه في حقِّ الأنبياء، وكيف تَسَعُ مسامع المؤمن ليسمع أنّ الأنبياء لَبَّسوا على الناس بأيِّ اعتبارٍ كان؟ سبحانك هذا بهتانٌ عظيمٌ! بل الرُّسل ــ صلوات الله وسلامه عليهم ــ كشفوا عن النّاس التّلبيس الذي لبّسوه على أنفسهم، ولبّسه عليهم طواغيتُهم، جاؤوا بالبيان والبرهان.

وكان النّاس في لَبْسٍ عظيمٍفجاؤوا بالبيان فأظهروه
وكان النّاس في جهلٍ شديدٍفجاؤوا باليقين فأذهبوه
وكان النّاس في كفرٍ عظيمٍفجاؤوا بالرّشاد فأبطلوه٤
  1. (١) المصدر نفسه (ص ١٠٧).
  2. (٢) في «المنازل»: «التمكن».
  3. (٣) ت: «هجر».
  4. (٤) يبدو أنها من كلام المؤلف.
381

والمصنِّف ﵀ من أثبت النّاس قدمًا في مقام الإيمان بالرُّسل وتعظيمهم وما جاؤوا به، ولكن لُبِّس عليه في ذلك ما لُبِّس على غيره، والله يغفر لنا وله، ويجمع بيننا وبينه في دار كرامته.

وقد صرّح بأنّ أهل التّمكين هم الأنبياء والأئمّة بعدهم، وجعل هذه الدّرجة من التّلبيس لهم، ثمّ فسَّرها بأنّها تلبيس ترحُّمٍ وتوسيعٍ على العالم، ومقصوده: أنّهم يأمرونهم بتعاطي الأسباب رحمةً لهم وتوسيعًا عليهم، مع علمهم بأنّها لا أثرَ لها في خلقٍ ولا رزقٍ، ولا ضرٍّ ولا نفعٍ، ولا عطاءٍ ولا منعٍ، بل الله وحده هو الخالق الرّازق، الضّارُّ النّافع، المعطي المانع، لكن لمّا علموا عجز النّاس عن إدراك ذلك والتّحقُّق به لبَّسوا عليهم وأمروهم بالأسباب رحمةً بهم وتوسيعًا عليهم.

فهذه الدرجة تتضمَّن الرُّجوع إلى الأسباب رحمةً وتوسيعًا، مع الانقطاع عن الالتفات إليها والوقوف معها تجريدًا وتوحيدًا.

وقوله: (لا إلى أنفسهم) يعني: أنَّ أمرهم بالأسباب إحسانٌ إليهم، وتوسيعٌ عليهم، لا لحظِّ الآمر وجرِّ النفع إلى نفسه، بل لقصد الإحسان إلى الخلق وحصول النفع لهم. وهذا قريبٌ، مع أنّ فيه ما فيه لمن تأمَّله، فإنّ من أمر غيره بمصلحته وقصد نفعه: فبنفسه بدأ، ولها نفعَ أولًا، ومصلحتَها حصَّلَ قبل مصلحة المأمور، والإحسانَ إلى نفسه قصدَ بإحسانه١ إلى غيره، فإنّه عبدٌ فقيرٌ محتاجٌ، والله وحده هو الغنيُّ بذاته، الذي يُحسِن إلى خلقه لا لأجل معاوضةٍ منهم، وأمَّا المخلوق فإنَّه يريد العوض، لكن

  1. (١) ت: «بالإحسان».
382

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي