والمقصود: أنّ قوله: (لا لأنفسهم) ليس على إطلاقه، وفي أثرٍ إلهيٍّ١: «ابنَ آدم، كلٌّ يريدك لنفسه، وأنا أريدك لك»٢.
وقوله: (ثمَّ هي للأئمَّة الربَّانيِّين، الصادرين عن وادي الجمع)، يعني: الذين فَنُوا في الجمع، ثمّ حصلوا في البقاء بعد الفناء، فذلك صدورهم عن وادي الجمع.
قوله: (المشيرين عن عينه)، يعني: الذين إذا أشاروا أشاروا عن عينٍ لا عن علمٍ، فإنّ الإشارة تختلف باختلاف مصدرها: فإشارةٌ عن علمٍ، وإشارةٌ عن كشفٍ، وإشارةٌ عن شهودٍ، وإشارةٌ عن عينٍ.
فصل
قد عرفتَ أنّ هذا الباب مبناه على محو الأسباب، وعدم الالتفات إليها والوقوف معها، ولهذا سمّى المصنِّف نَصْبَها «تلبيسًا».
ونحن نقول: إنَّ الدِّين هو إثبات الأسباب، والوقوف معها، والنظر إليها، والالتفات إليها، وإنّه لا دينَ إلّا بذلك، كما لا حقيقة إلّا به، فالحقيقة والشريعة مبناهما على إثباتها، لا على محوها، ولا يُنكَر الوقوف معها، فإنَّ الوقوف معها فرضٌ على كلِّ مسلمٍ، لا يتمُّ إيمانُه إلّا بذلك. والله تعالى أمرنا بالوقوف معها، بمعنى أنَّا نُثبِت الحُكْم إذا وُجِدتْ، وننفيه إذا عُدِمَتْ، ونستدلُّ بها على حكمه الكونيِّ، فوقوفنا معها بهذا الاعتبار هو مقتضى
(١) ت: «الأثر الإلهي».
(٢) ذكره المؤلف في «الداء والدواء» (ص ٥٣٦)، ولم أجده مسندًا.
الحقيقة والشريعة، وهل يُمكِن حيوانًا أن يعيش في هذه الدُّنيا إلّا بوقوفه١ مع الأسباب؟ فينتجع مساقطَ غَيْثِها ومواقعَ قَطْرِها، ويَرعى في خصبها دون جدبها، ويُسالمها ولا يُحاربها. وكيف وتنفُّسه في الهواء بها، وتحرُّكه بها، وسمعه وبصره بها، وغذاؤه بها، ودواؤه بها، وهُداه بها، وسعادته بها، وفلاحه بها، وضلالُه وشقاؤه بالإعراض عنها وإلغائها. فأسعدُ النّاس في الدّارين: أقومُهم بالأسباب المُوصِلة إلى مصالحهما، وأشقاهم في الدارين: أشدُّهم تعطيلًا لأسبابهما.
فالأسباب محلُّ الأمر والنهي، والثواب والعقاب، والنجاح والخسران. وبالأسباب عُرِف الله، وبها عُبِد، وبها أُطِيع، وبها تقرَّب إليه المتقرِّبون، وبها نال أولياؤه رضاه وجواره في جنّته، وبها نصر حزبُه دينَه، وأقاموا دعوته، وبها أرسل رسله وشرع شرائعه، وبها انقسم النّاس إلى سعيدٍ وشقيٍّ، ومهتدٍ وغويٍّ، فالوقوف معها والالتفات إليها والنّظر إليها هو الواجب شرعًا، كما هو الواقع قدرًا.
ولا تكن ممّن غلُظ حجابه، وكثُفَ طبعه فيقول: لا نقف معها وقوفَ من يعتقد أنّها مستقلّةٌ بالإحداث والتّأثير، وأنّها أربابٌ من دون الله. فإن وجدتَ أحدًا يزعم ذلك، ويظنُّ أنّها أربابٌ وآلهةٌ مع الله مستقلّةٌ بالإيجاد وأنّها عونٌ لله يحتاج في فعله إليها، وأنّها شركاء له= فشأنك به، فمزِّقْ أديمَه، وتقرَّبْ إلى الله بعداوته ما استطعتَ. وإلَّا فما هذا النفي لِما أثبتَه الله؟ والإلغاء لما اعتبره؟ والإهدار لما حقَّقه؟ والحطُّ والوضع لما نصبه؟ والمحو لما كتبه؟ والعزل لما ولّاه؟ فإن زعمتَ أنّك تَعزِلها عن رتبة الإلهيَّة فسبحانَ الله! مَن