مدارج السالكين

الحقيقة والشريعة، وهل يُمكِن حيوانًا أن يعيش في هذه الدُّنيا إلّا بوقوفه١ مع الأسباب؟ فينتجع مساقطَ غَيْثِها ومواقعَ قَطْرِها، ويَرعى في خصبها دون جدبها، ويُسالمها ولا يُحاربها. وكيف وتنفُّسه في الهواء بها، وتحرُّكه بها، وسمعه وبصره بها، وغذاؤه بها، ودواؤه بها، وهُداه بها، وسعادته بها، وفلاحه بها، وضلالُه وشقاؤه بالإعراض عنها وإلغائها. فأسعدُ النّاس في الدّارين: أقومُهم بالأسباب المُوصِلة إلى مصالحهما، وأشقاهم في الدارين: أشدُّهم تعطيلًا لأسبابهما.

فالأسباب محلُّ الأمر والنهي، والثواب والعقاب، والنجاح والخسران. وبالأسباب عُرِف الله، وبها عُبِد، وبها أُطِيع، وبها تقرَّب إليه المتقرِّبون، وبها نال أولياؤه رضاه وجواره في جنّته، وبها نصر حزبُه دينَه، وأقاموا دعوته، وبها أرسل رسله وشرع شرائعه، وبها انقسم النّاس إلى سعيدٍ وشقيٍّ، ومهتدٍ وغويٍّ، فالوقوف معها والالتفات إليها والنّظر إليها هو الواجب شرعًا، كما هو الواقع قدرًا.

ولا تكن ممّن غلُظ حجابه، وكثُفَ طبعه فيقول: لا نقف معها وقوفَ من يعتقد أنّها مستقلّةٌ بالإحداث والتّأثير، وأنّها أربابٌ من دون الله. فإن وجدتَ أحدًا يزعم ذلك، ويظنُّ أنّها أربابٌ وآلهةٌ مع الله مستقلّةٌ بالإيجاد وأنّها عونٌ لله يحتاج في فعله إليها، وأنّها شركاء له= فشأنك به، فمزِّقْ أديمَه، وتقرَّبْ إلى الله بعداوته ما استطعتَ. وإلَّا فما هذا النفي لِما أثبتَه الله؟ والإلغاء لما اعتبره؟ والإهدار لما حقَّقه؟ والحطُّ والوضع لما نصبه؟ والمحو لما كتبه؟ والعزل لما ولّاه؟ فإن زعمتَ أنّك تَعزِلها عن رتبة الإلهيَّة فسبحانَ الله! مَن

  1. (١) ش، د: «موقوفه».
384

ولّاها هذه الرُّتبة حتّى تجعل كدَّكَ في عزلها؟

ويالله! ما أجهلَ كثيرًا من أهل الكلام والتصوُّف، حيث لم يكن عندهم تحقيق التوحيد إلّا إلغاءَها ومحوها، وإهدارها بالكلِّيّة، وأنّه لم يجعل الله في المخلوقات قوًى ولا طبائعَ ولا غرائزَ لها تأثيرٌ بوجهٍ ما، ولا في النّار حرارةٌ ولا إحراقٌ، ولا في الدّواء قوّةٌ، ولا في الخبز قوّةٌ مشبعةٌ، ولا في الماء قوّةٌ مُروِيةٌ، ولا في العين قوّةٌ باصرةٌ، ولا في الأنف قوّةٌ شامّةٌ، ولا في السُّمِّ قوّةٌ قاتلةٌ، ولا في الحديد قوّةٌ قاطعةٌ؟ وأنّ الله لم يفعل شيئًا بشيءٍ، ولا فعلَ شيئًا لأجل شيءٍ.

فهذا غاية توحيدهم الذي يَحُومون حوله، ويبالغون في تقريره.

ولعَمْر الله لقد أضحكوا عليهم العقلاء، وأشمتوا بهم الأعداء، ونهجوا١ لأعداء الرُّسل طريقَ إساءة الظّنِّ بهم، وجَنَوا على الإسلام والقرآن أعظمَ جنايةٍ، وقالوا: نحن أنصار الله ورسوله، الموكَّلُون بكسر أعداء الإسلام وأعداء الرُّسل. ولعمر الله لقد كسروا الدِّين وسلَّطوا عليه المبطلين. وقد قيل: إيّاك ومصاحبةَ الجاهل، فإنّه يريد أن ينفعك فيضرُّك.

فقِفْ مع الأسباب حيث أُمِرْتَ بالوقوف، وفارِقْها حيث أُمِرْتَ بمفارقتها، كما فارقها الخليلُ وهو في تلك السفرة من المنجنيق، حيث عرض له [جبريل]٢ أقوى الأسباب، فقال: ألك حاجةٌ؟ فقال: أمّا إليك فلا٣.

  1. (١) ت: «فتحوا».
  2. (٢) ليست في ش، د. وأشير إليها في هامش ت.
  3. (٣) تقدم.
385

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي