ودُرْ معها حيث دارت، ناظرًا إلى مَن أزِمَّتُها بيديه، والتفتْ إليها التفاتَ العبد المأمور إلى تنفيذِ ما أُمِر به والتّحديقِ نحوه، وارْعَها حقَّ رعايتها، ولا تَغِبْ عنها ولا تَفْنَ عنها، بل انظر إليها وهي في رتبتها التي أنزلها الله إيّاها.
واعلم أنّ غيبتك بمسبِّبها عنها نقصٌ في عبوديّتك، بل الكمال أنّ تشهد المعبود، وتشهد قيامك بعبوديّته، وتشهد أنّ قيامك به لا بك، ومنه لا منك، وبحوله وقوّته لا بحولك وقوّتك. ومتى خرجتَ عن ذلك وقعتَ في انحرافين، لابدَّ لك من أحدهما: إمّا أن تغيب بها عن المقصود لذاته، لضعف نظرك وعقلك، وقصور علمك ومعرفتك، وإمّا أن تغيب بالمقصود عنها، بحيث لا تلتفت إليها. والكمالُ أن يُسلِّمك الله من الانحرافين، فتبقى عبدًا ملاحظًا للعبوديّة، ناظرًا إلى المعبود، والله المستعان، وعليه التُّكلان، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله.
✽ ✽ ✽
فصل
قال شيخ الإسلام١: (باب الوجود. أطلق الله تعالى في القرآن اسم الوجود صريحًا في مواضع، فقال: ﴿يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾[النساء: ١١٠]، ﴿اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا ٦٤﴾[النساء: ٦٤]، ﴿شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ﴾[النور: ٣٩]. الوجود: الظَّفَر بحقيقة الشّيء، وهو اسمٌ لثلاثة معانٍ، أوّلها: وجود علمٍ لدنِّيٍّ، يقطع علوم الشّواهد في صحّة مكاشفة الحقِّ إيّاك٢، والثّاني: وجودُ الحقِّ وجودَ عينٍ منقطعًا عن مَساغِ الإشارة، والثّالث: وجود مقام اضمحلال رسم الوجود فيه بالاستغراق في الأوّليّة)٣.
هذا الباب هو العلم الذي شمَّر إليه القوم، والغاية التي قصدوها، ولا ريبَ أنّهم قصدوا معنًى صحيحًا، وعبّروا عنه بالوجود، واستدلُّوا عليه بهذه الآيات ونظيرها، ولكن ليس مقصودهم ما تضمّنه الوجدان٤ في هذه الآيات، فإنّه وجدان لمطلوب تعلّق باسمٍ أو صفةٍ، قال تعالى: ﴿أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا ٦٤﴾[النساء: ٦٤]، فهذا وجودٌ مقيّدٌ بظَفَرهم بمغفرة الله ورحمته لهم. وكذلك قوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ