مدارج السالكين

فصل

قال شيخ الإسلام١: (باب الوجود. أطلق الله تعالى في القرآن اسم الوجود صريحًا في مواضع، فقال: ﴿يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠]، ﴿اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا ٦٤﴾ [النساء: ٦٤]، ﴿شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ﴾ [النور: ٣٩]. الوجود: الظَّفَر بحقيقة الشّيء، وهو اسمٌ لثلاثة معانٍ، أوّلها: وجود علمٍ لدنِّيٍّ، يقطع علوم الشّواهد في صحّة مكاشفة الحقِّ إيّاك٢، والثّاني: وجودُ الحقِّ وجودَ عينٍ منقطعًا عن مَساغِ الإشارة، والثّالث: وجود مقام اضمحلال رسم الوجود فيه بالاستغراق في الأوّليّة)٣.

هذا الباب هو العلم الذي شمَّر إليه القوم، والغاية التي قصدوها، ولا ريبَ أنّهم قصدوا معنًى صحيحًا، وعبّروا عنه بالوجود، واستدلُّوا عليه بهذه الآيات ونظيرها، ولكن ليس مقصودهم ما تضمّنه الوجدان٤ في هذه الآيات، فإنّه وجدان لمطلوب تعلّق باسمٍ أو صفةٍ، قال تعالى: ﴿أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا ٦٤﴾ [النساء: ٦٤]، فهذا وجودٌ مقيّدٌ بظَفَرهم بمغفرة الله ورحمته لهم. وكذلك قوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ

  1. (١) «المنازل» (ص ١٠٧).
  2. (٢) «في صحة مكاشفة الحق إياك» ليست في ش، د.
  3. (٣) ش: «الأزلية».
  4. (٤) ت: «الوجودان».
387

يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠]، ومعناه: أنّه يجد ما ظنّه من مغفرة الله، فيجد مغفرة الله له حاصلةً. وكذلك: ﴿شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ [النور: ٣٩]، فهذا وجدان الكافر لربِّه عند حسابه له على أعماله، وليس هذا هو الوجود الذي يشير إليه القوم، بل منه الأثر المعروف: «ابنَ آدم، اطلُبْني تجِدْني، فإن وجدتَني وجدتَ كلّ شيءٍ، وإن فتُّك فاتَك كلُّ شيءٍ، وأنا أَحبُّ إليك من كلِّ شيءٍ»١، ومنه الحديث: «أنا عند ظنِّ عبدي بي»٢، ومنه الأثر الإسرائيليُّ: أنّ موسى ﷺ قال: يا ربِّ أين أجدُك؟ قال: عند المنكسرةِ قلوبُهم من أجلي٣.

ومنه الحديث الصّحيح: «إنّ الله تعالى يقول يوم القيامة: عبدي، استطعمتُك فلم تُطعِمْني، قال: يا ربِّ كيف أُطعِمك وأنت ربُّ العالمين؟ قال: استطعمَك عبدي فلانٌ فلم تُطعِمه، أَمَا لو أطعمتَه لوجدتَ ذلك عندي. عبدي، استسقيتُك فلم تَسْقِني، قال: يا ربِّ كيف أَسْقِيك٤ وأنت ربُّ العالمين؟ قال: استسقاك عبدي فلانٌ فلم تَسْقِه، أَمَا لو سقيتَه لوجدتَ ذلك عندي. عبدي، مرضتُ فلم تَعُدْني، قال: يا ربِّ، كيف أعودك وأنت ربُّ العالمين؟ قال: مرض عبدي فلانٌ فلم تعده، أَمَا لو عُدْتَه لوجدتَني عنده»٥.

فتأمّلْ قولَه في الإطعام والإسقاء: «لوجدتَ ذلك عندي» أي: لوجدتَ

  1. (١) تقدم تخريجه.
  2. (٢) تقدم.
  3. (٣) تقدم.
  4. (٤) «أسقيك» ليست في ش، د.
  5. (٥) تقدم.
388

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي