يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠]، ومعناه: أنّه يجد ما ظنّه من مغفرة الله، فيجد مغفرة الله له حاصلةً. وكذلك: ﴿شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾[النور: ٣٩]، فهذا وجدان الكافر لربِّه عند حسابه له على أعماله، وليس هذا هو الوجود الذي يشير إليه القوم، بل منه الأثر المعروف: «ابنَ آدم، اطلُبْني تجِدْني، فإن وجدتَني وجدتَ كلّ شيءٍ، وإن فتُّك فاتَك كلُّ شيءٍ، وأنا أَحبُّ إليك من كلِّ شيءٍ»١، ومنه الحديث: «أنا عند ظنِّ عبدي بي»٢، ومنه الأثر الإسرائيليُّ: أنّ موسى ﷺ قال: يا ربِّ أين أجدُك؟ قال: عند المنكسرةِ قلوبُهم من أجلي٣.
ومنه الحديث الصّحيح: «إنّ الله تعالى يقول يوم القيامة: عبدي، استطعمتُك فلم تُطعِمْني، قال: يا ربِّ كيف أُطعِمك وأنت ربُّ العالمين؟ قال: استطعمَك عبدي فلانٌ فلم تُطعِمه، أَمَا لو أطعمتَه لوجدتَ ذلك عندي. عبدي، استسقيتُك فلم تَسْقِني، قال: يا ربِّ كيف أَسْقِيك٤ وأنت ربُّ العالمين؟ قال: استسقاك عبدي فلانٌ فلم تَسْقِه، أَمَا لو سقيتَه لوجدتَ ذلك عندي. عبدي، مرضتُ فلم تَعُدْني، قال: يا ربِّ، كيف أعودك وأنت ربُّ العالمين؟ قال: مرض عبدي فلانٌ فلم تعده، أَمَا لو عُدْتَه لوجدتَني عنده»٥.
فتأمّلْ قولَه في الإطعام والإسقاء: «لوجدتَ ذلك عندي» أي: لوجدتَ
(١) تقدم تخريجه.
(٢) تقدم.
(٣) تقدم.
(٤) «أسقيك» ليست في ش، د.
(٥) تقدم.
جزاءه وثوابه عندي. وقوله في العيادة: «لوجدتَني عنده»، ولم يقل: لوجدت ذلك عندي، إيذانًا بقُربِه من المريض، وأنّه عنده، لذلِّه وخضوعه، وانكسار قلبه، وافتقاره إلى ربِّه، فأوجب ذلك له وجود الله ﷿ عنده. هذا، وهو فوق سماواته مستوٍ على عرشه بائنٌ من خلقه، وهو عند عبده. فوجودُ العبد ربَّه ظَفَرهُ بالوصول إليه.
والناس ثلاثةٌ: سالكٌ، وواصلٌ، وواجدٌ.
فإن قلت: اضرِبْ لي مثلًا أفهم به معنى الوصول في هذا الباب والوجود.
قلت: إذا بلغَك أنّ بمكان كذا وكذا كنزًا عظيمًا، من ظَفِرَ به أو بشيء منه١ استغنى غِنَى الدهر، وترحّل عنه الفقر والعُدْم، فتحرّكتْ نفسُه للسير إليه، فأخذ في التأهُّب للمسير٢، فلمّا جدَّ به السيرُ انتهى إلى الكنز ووصل إليه، ولكن لم يظفَرْ بتحويله إلى داره وحصولِه عنده بعدُ، فهو واصلٌ غير واجدٍ، والذي في الطريق سالكٌ، والقاعد عن الطلب منقطعٌ، وآخذُ٣ الكنزِ ــ بحيث حصل عنده، وصار في داره ــ واجدٌ. فهذا المعنى حولَه حام القوم، وعليه دارت إشارتُهم، فعندهم التواجد بدايةٌ، والوجد واسطةٌ، والوجود نهايةٌ.
ومعنى ذلك: أنّه في الابتداء يتكلَّف التواجد، فيقوى عليه حتّى يصير