جزاءه وثوابه عندي. وقوله في العيادة: «لوجدتَني عنده»، ولم يقل: لوجدت ذلك عندي، إيذانًا بقُربِه من المريض، وأنّه عنده، لذلِّه وخضوعه، وانكسار قلبه، وافتقاره إلى ربِّه، فأوجب ذلك له وجود الله ﷿ عنده. هذا، وهو فوق سماواته مستوٍ على عرشه بائنٌ من خلقه، وهو عند عبده. فوجودُ العبد ربَّه ظَفَرهُ بالوصول إليه.
والناس ثلاثةٌ: سالكٌ، وواصلٌ، وواجدٌ.
فإن قلت: اضرِبْ لي مثلًا أفهم به معنى الوصول في هذا الباب والوجود.
قلت: إذا بلغَك أنّ بمكان كذا وكذا كنزًا عظيمًا، من ظَفِرَ به أو بشيء منه١ استغنى غِنَى الدهر، وترحّل عنه الفقر والعُدْم، فتحرّكتْ نفسُه للسير إليه، فأخذ في التأهُّب للمسير٢، فلمّا جدَّ به السيرُ انتهى إلى الكنز ووصل إليه، ولكن لم يظفَرْ بتحويله إلى داره وحصولِه عنده بعدُ، فهو واصلٌ غير واجدٍ، والذي في الطريق سالكٌ، والقاعد عن الطلب منقطعٌ، وآخذُ٣ الكنزِ ــ بحيث حصل عنده، وصار في داره ــ واجدٌ. فهذا المعنى حولَه حام القوم، وعليه دارت إشارتُهم، فعندهم التواجد بدايةٌ، والوجد واسطةٌ، والوجود نهايةٌ.
ومعنى ذلك: أنّه في الابتداء يتكلَّف التواجد، فيقوى عليه حتّى يصير
(١) ت، ر: «بشيء به».
(٢) ت: «للتأهب في المسير».
(٣) ت: «وواجد».
واجدًا١، ثمّ يستغرق في وجده حتّى يصل إلى موجوده.
ويستشكل قول أبي الحسن النُّوريِّ ﵀: أنا منذ عشرين سنةً بين الوجد والفقد، إذا وجدتُ ربِّي فقدت قلبي، وإذا وجدتُ قلبي فقدت ربِّي٢. ومعنى هذا: أنّ الوجود الصّحيح يُغيِّب الواجدَ عنه، ويُجرِّده منه، فيفنى بموجوده عن وجوده، وبمشهوده عن شهوده، فإذا وجد الحقيقة غاب عن قلبه وعن صفاته، وإذا غابت عنه الحقيقة بقي مع صفاته. وفي هذا قيل٣:
وجودي أن أغيبَ عن الوجودِبما يبدُو عليَّ من الشُّهودِ
وما في الوجدِ موجودٌ ولكنفخرتُ بوجْدِ موجودِ الوجود