ويستشكل قول أبي الحسن النُّوريِّ ﵀: أنا منذ عشرين سنةً بين الوجد والفقد، إذا وجدتُ ربِّي فقدت قلبي، وإذا وجدتُ قلبي فقدت ربِّي٢. ومعنى هذا: أنّ الوجود الصّحيح يُغيِّب الواجدَ عنه، ويُجرِّده منه، فيفنى بموجوده عن وجوده، وبمشهوده عن شهوده، فإذا وجد الحقيقة غاب عن قلبه وعن صفاته، وإذا غابت عنه الحقيقة بقي مع صفاته. وفي هذا قيل٣:
وجودي أن أغيبَ عن الوجودِبما يبدُو عليَّ من الشُّهودِ
وما في الوجدِ موجودٌ ولكنفخرتُ بوجْدِ موجودِ الوجود
والوجد ما يرِد على الباطن من الله تعالى يُكسِبه فرحًا أو حزنًا، وهو
(١) ت: «وجدا».
(٢) «الرسالة القشيرية» (ص ٢٤٧).
(٣) البيتان لجنيد في «ذيل تاريخ بغداد» لابن النجار (٣/ ١٢٧). والأول بلا نسبة في «الرسالة القشيرية» (ص ٢٤٧).
فرحةٌ يجدها المغلوب عليه بصفاتٍ شريفةٍ ينظر إلى الله منها. والتواجد استجلاب الوجد بالتذكُّر والتفكُّر، كاتِّساع فرجة الوجد بالخروج إلى فضاء الوجدان، ولا وجْدَ عندهم مع الوجدان، كما لا خبر مع العيان، فالوجد عُرضةٌ للزّوال، والوجود١ ثابتٌ ثبوت٢ الجبال، وقد قيل٣:
قد كان يُطرِبني٤ وَجْدي فأقعدَنيعن رؤية الوجد مَن٥ بالوجدِ موجود
والوجد يُطرِب مَن في الوجد راحتُهوالوجدُ عند حضور الحقِّ مفقودُ
فالتّواجد: استدعاء الوجد بنوع اختيارٍ وتكلُّفٍ، وليس لصاحبه كمال الوجد، إذ لو كان له ذلك لكان وجدًا، وباب التّفاعل يُنبِئ عن ذلك، فإنّ مبناه على إظهار الصِّفة، وليست كذلك، كما قال٦:
إذَا تَخَازرتُ وما بي مِن خَزَرْ
وقد اختلف الناس في التواجد: هل يُسلَّم لصاحبه؟ على قولين، فقالت
(١) ت، ر: «والوجدان».
(٢) ش، د: «بثبوت».
(٣) البيتان في «عوارف المعارف» للسهروردي (٢/ ٣١٩ - ط. دار المعارف) بلا نسبة كما هنا، والمؤلف صادر عنه في هذه الفقرة.
(٤) ش، د: «يطرقني».
(٥) في هامش ش، د: «ما».
(٦) قاله عمرو بن العاص يومَ صفين ضمن أبيات من الرجز. ويُروى للنجاشي الحارثي وأرطاة بن سُهية وغيرهما. انظر: «شرح أبيات سيبويه» (٢/ ٣٩٤)، و«لسان العرب» (مرر)، و«الدلائل» للسرقسطي (١/ ٨٢). وتخازر الرجلُ: إذا قبض جفنَيْه ليحدِّد النظر.