مدارج السالكين

فرحةٌ يجدها المغلوب عليه بصفاتٍ شريفةٍ ينظر إلى الله منها. والتواجد استجلاب الوجد بالتذكُّر والتفكُّر، كاتِّساع فرجة الوجد بالخروج إلى فضاء الوجدان، ولا وجْدَ عندهم مع الوجدان، كما لا خبر مع العيان، فالوجد عُرضةٌ للزّوال، والوجود١ ثابتٌ ثبوت٢ الجبال، وقد قيل٣:

قد كان يُطرِبني٤ وَجْدي فأقعدَنيعن رؤية الوجد مَن٥ بالوجدِ موجود
والوجد يُطرِب مَن في الوجد راحتُهوالوجدُ عند حضور الحقِّ مفقودُ

فالتّواجد: استدعاء الوجد بنوع اختيارٍ وتكلُّفٍ، وليس لصاحبه كمال الوجد، إذ لو كان له ذلك لكان وجدًا، وباب التّفاعل يُنبِئ عن ذلك، فإنّ مبناه على إظهار الصِّفة، وليست كذلك، كما قال٦:

إذَا تَخَازرتُ وما بي مِن خَزَرْ

وقد اختلف الناس في التواجد: هل يُسلَّم لصاحبه؟ على قولين، فقالت

  1. (١) ت، ر: «والوجدان».
  2. (٢) ش، د: «بثبوت».
  3. (٣) البيتان في «عوارف المعارف» للسهروردي (٢/ ٣١٩ - ط. دار المعارف) بلا نسبة كما هنا، والمؤلف صادر عنه في هذه الفقرة.
  4. (٤) ش، د: «يطرقني».
  5. (٥) في هامش ش، د: «ما».
  6. (٦) قاله عمرو بن العاص يومَ صفين ضمن أبيات من الرجز. ويُروى للنجاشي الحارثي وأرطاة بن سُهية وغيرهما. انظر: «شرح أبيات سيبويه» (٢/ ٣٩٤)، و«لسان العرب» (مرر)، و«الدلائل» للسرقسطي (١/ ٨٢). وتخازر الرجلُ: إذا قبض جفنَيْه ليحدِّد النظر.
391

طائفةٌ: لا يسلَّم لصاحبه، لما فيه من التكلُّف وإظهار ما ليس عنده، وقومٌ قالوا: يسلَّم للصادق الذي ترصَّد لوجدان المعاني الصحيحة، كما قال النبيُّ ﷺ: «ابكُوا، فإن لم تبكُوا فتباكَوْا»١.

والتحقيق: أنّ صاحب التواجد إن تكلَّفه لحظٍّ وشهوة نفسٍ لم يُسلَّم له، وإن تكلَّفه لاستجلاب حالٍ أو مقامٍ مع الله سُلِّم له، وهذا يُعرَف من حالِ المتواجد وشواهدِ صدقه وإخلاصه.

فصل

وقد تكلّم في «الوجود» الفلاسفة والمتكلِّمون والاتِّحاديّة بما هو أبعد شيءٍ عن الصواب: هل وجود الشّيء عين ماهيَّته أو غير ماهيَّته؟ أو وجود القديم نفسُ ماهيَّته ووجودُ الحادث زائدٌ على ماهيَّته؟

وكلُّ هذه الأقوال خطأٌ، وأصحابها كخابطِ عَشْواء.

والتحقيق: أنّ الوجود والماهيّة إن أُخِذا ذهنيَّينِ فالوجود الذِّهنيُّ عين الماهيّة الذِّهنيّة، وكذلك إن أُخِذا خارجيّين اتَّحدا أيضًا، فليس في الخارج وجودٌ زائدٌ على الماهيّة الخارجة، بحيث يكون كالثوب المشتمل على البدن، هذا خيالٌ محضٌ. وكذلك حصول الماهيّة في الذِّهن هو عين وجودها، فليس في الذِّهن ماهيّةٌ ووجودٌ متغايرينِ٢، بل إن أُخِذ أحدهما ذهنيًّا والآخر خارجيًّا، فأحدهما غير الآخر.

  1. (١) رواه ابن ماجه (٤١٩٦) من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁. وفي إسناده أبو رافع إسماعيل بن رافع ضعيف متروك.
  2. (٢) كذا في النسخ بالياء والنون، والسياق يقتضي كونه مرفوعًا بالألف والنون.
392

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي