طائفةٌ: لا يسلَّم لصاحبه، لما فيه من التكلُّف وإظهار ما ليس عنده، وقومٌ قالوا: يسلَّم للصادق الذي ترصَّد لوجدان المعاني الصحيحة، كما قال النبيُّ ﷺ: «ابكُوا، فإن لم تبكُوا فتباكَوْا»١.
والتحقيق: أنّ صاحب التواجد إن تكلَّفه لحظٍّ وشهوة نفسٍ لم يُسلَّم له، وإن تكلَّفه لاستجلاب حالٍ أو مقامٍ مع الله سُلِّم له، وهذا يُعرَف من حالِ المتواجد وشواهدِ صدقه وإخلاصه.
فصل
وقد تكلّم في «الوجود» الفلاسفة والمتكلِّمون والاتِّحاديّة بما هو أبعد شيءٍ عن الصواب: هل وجود الشّيء عين ماهيَّته أو غير ماهيَّته؟ أو وجود القديم نفسُ ماهيَّته ووجودُ الحادث زائدٌ على ماهيَّته؟
وكلُّ هذه الأقوال خطأٌ، وأصحابها كخابطِ عَشْواء.
والتحقيق: أنّ الوجود والماهيّة إن أُخِذا ذهنيَّينِ فالوجود الذِّهنيُّ عين الماهيّة الذِّهنيّة، وكذلك إن أُخِذا خارجيّين اتَّحدا أيضًا، فليس في الخارج وجودٌ زائدٌ على الماهيّة الخارجة، بحيث يكون كالثوب المشتمل على البدن، هذا خيالٌ محضٌ. وكذلك حصول الماهيّة في الذِّهن هو عين وجودها، فليس في الذِّهن ماهيّةٌ ووجودٌ متغايرينِ٢، بل إن أُخِذ أحدهما ذهنيًّا والآخر خارجيًّا، فأحدهما غير الآخر.
(١) رواه ابن ماجه (٤١٩٦) من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁. وفي إسناده أبو رافع إسماعيل بن رافع ضعيف متروك.
(٢) كذا في النسخ بالياء والنون، والسياق يقتضي كونه مرفوعًا بالألف والنون.
وليس المقصود بحث هذه المسألة، فإنّها بعيدةٌ عمّا نحن فيه، وهي من وظائف أرباب الجدل والكلام والفلسفة، لا من وظائف أرباب القلوب والمعاملات، فهؤلاء هِمَمُهم أن يجدوا مطلوبهم ويَظْفَروا به، وأولئك شاكُّون في وجوده: هل هو عين ماهيّته أو زائدٌ على ماهيّته؟ وهل هو وجود مجرَّد مطلقٌ لا يُضاف إليه وصفٌ ولا اسمٌ؟ أم وجودٌ خاصٌّ تُضاف إليه الصِّفات والأسماء؟ فهؤلاء في وادٍ وهؤلاء في وادٍ.
وأعظم الخلق كفرًا وضلالًا: من زعم أنَّه١ نفسُ وجودِ هذه الموجودات، وأن عين وجوده فاض عليها فاكتست من وجوده، فاتّخذ حجابًا من أعيانها، واكتست جلبابًا من وجوده. ولُبِّس عليهم ما لُبِّس على ضعفاء العقول والبصائر من عدم التفريق بين وجود الحقِّ سبحانه وإيجاده، وأنّ إيجاده هو الذي فاض عليها، وهو الذي اكتسته٢، وأمّا وجوده فمختصٌّ به لا يشاركه فيه غيره، كما هو مختصٌّ بماهيّته وصفاته، فهو بائنٌ عن خلقه، والخلق بائنون عنه، فوجودُ ما سواه مخلوقٌ كائنٌ بعد أن لم يكن، حاصلٌ بإيجاده له، فهو الذي أعطى كلّ شيءٍ خَلْقه ووجودَه المختصَّ به، وبان بذاته وصفاته ووجوده عن خلقه.
فصل
قوله: (الوجود: اسمٌ للظّفر بحقيقة الشيء)، هذا الوجود الذي هو مصدر وجد الشيء يجده وجودًا، ووجد ضالّته وجدانًا. وفي «الصِّحاح»٣: